محمد طرابيه يكتب : مسابقة وطنية كبرى للتعليق الكروى

لسنوات طويلة ونحن نُشاهد الكرة المصرية بعين واحدة ونسمعها بأذن مغلقة.
الصورة قد تتحسن أحياناً، والملاعب تُضاء، والكاميرات تكثر، لكن يبقى العنصر الأهم الذي يربط المشاهد بالحدث غائباً أو مشوهاً: *التعليق الكروي*.
حين تفتح قنوات عالمية مثل beIN Sports تسمع صوتاً يحكي لك المباراة قبل أن تراها.
صوت يملك ثقافة
وحضور ومخزون لغوي وقراءة تكتيكية وإحساساً باللحظة. يصنع لك قصة داخل 90 دقيقة.
وحين تعود إلى القنوات المحلية لمتابعة الدورى أو الكأس تصطدم بواقع مختلف تماماً.
مستوى منحدر لا يضيف للمشاهد شيئاً. لا متعة، ولا ثقافة، ولا حتى تسلية.
المشكلة ليست في غياب الأصوات، بل في غياب المعايير.
كيف وصلنا إلى هنا؟. وصلنا لأن التعليق لسنوات خضع لمعادلة واحدة: الوساطة والمجاملة.
دخل المجال من لا يملك أدواته. فكانت النتيجة أصواتاً بلا حضور، وكلمات مكررة، ومعلومات خاطئة، وصياح بلا معنى. معلق لا يعرف تاريخ اللاعب، ولا يقرأ خطة المدرب، ولا يفرق بين الضغط العالي والتحولات.
والأدهى أننا أمام ظاهرة الانحياز. معظم المعلقين والمحللين إما لاعبون سابقون أو مديرون للكرة أو مستشارون إعلاميون لأندية بعينها. فتجد الحياد غائباً، وتجد التحليل يتحول إلى دفاع عن نادي أو هجوم على آخر.
فأين المشاهد المحايد؟ وأين الطفل الذي يريد أن يتعلم كرة القدم لا أن يتعلم التعصب؟.
الأمر لا يقف عند التعليق فقط. المنظومة كلها تعاني: تحكيم، تدريب، لعب، تحليل. لكن الصوت هو الواجهة. هو الذي يدخل كل بيت. هو الذي يصنع ذاكرة الأجيال عن المباريات. فإذا فسد الصوت فسدت المتعة كلها.
آن الأوان أن نعترف: ما يحدث الآن لا يليق باسم مصر الكروي. ولا يليق بجمهور يفهم كرة القدم ويعشق تفاصيلها.
*الحل: مسابقة وطنية كبرى للتعليق الكروي*.
نحتاج إلى مشروع جاد على غرار "مسابقة دولة التلاوة" المحترمة . مسابقة وطنية مفتوحة أمام الجميع.
*شروطها واضحة:*
1. *لجنة اختبارات محايدة*: من إعلاميين محترفين، وخبراء لغة عربية، ومحللين فنيين. بلا مجاملات ولا محسوبيات.
2. *اختبارات حقيقية*: اختبار ثقافة رياضية، اختبار لغة وأداء صوتي، اختبار تحليل مباشر لمباراة. من ينجح يدخل.
3. *أكاديمية تدريب*: المقبولون لا يعلقون فوراً. يدخلون معسكر إعداد لمدة 3 شهور ليتعلموا الإلقاء، التاريخ، التكتيك، أخلاقيات المهنة.
تخيلوا كم صوتاً شاباً مدفوناً في الإذاعات المحلية، وعلى اليوتيوب، وفي المدرجات.
أصوات تملك الموهبة لكنها لم تجد الباب. افتحوا الباب وسترون العجب.
نحن لا نطلب المستحيل. نطلب فقط الاحتراف. نريد معلقاً يثقفنا ونحن نستمتع. يشرح لنا لماذا غير المدرب الخطة، ومن هو اللاعب الصاعد، وما هي قصة هذا الديربي. نريد صوتاً محايداً يحترم عقل المشاهد.
الرياضة في مصر لن تنهض إلا إذا أصلحنا كل عناصر اللعبة. لا يكفي أن نستورد مدربين أو لاعبين. يجب أن نستثمر في "الصوت" الذي يبيع المنتج.
الحال الحالي لا يسر عدواً ولا حبيباً. والمشاهد المصري يستحق أفضل من ذلك بكثير.
كفانا مجاملات. كفانا أصواتاً تقتل الشغف.
افتحوا الميكروفون للكفاءة... ووقتها فقط سنعود لنستمتع بالمباراة، وبالصوت، وبالكرة.

