بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

محمد فودة يكتب:هيبة المعلم في مهب الريح... محافظ القليوبية يهين مديرة مدرسة.. ووزير التعليم يتفرج

-

تصريحات وزير التعليم الوردية تصطدم بالواقع.. هيبة المعلم حاضرة في البيانات وغائبة على الأرض


أولياء الأمور يدفعون الثمن.. والطلاب تائهون بين تصريحات رنانة وواقع تعليمي مختلف


محافظ القليوبية تعامل مع إدارة المدرسة بمنطق الاستعراض أمام الكاميرات.. والمشكلة أكبر من لقطة

شاهدت واقعة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار في بنها أكثر من مرة، وفي كل مرة كان السؤال يفرض نفسه أمامي، إذا كان وزير التربية والتعليم يتحدث عن إعادة هيبة المدرسة واحترام المعلم، فكيف يمكن أن تصل الأمور داخل مدرسة إلى هذا الشكل من التعامل مع مديرة المدرسة، ثم نكتفي بعد ذلك بالحديث عن الانضباط وهيبة المعلم وكأن الأمر مجرد شعارات تقال في المؤتمرات والبيانات فقط.

وأنا لا أتحدث هنا عن حق محافظ القليوبية في التفتيش والمراجعة والمساءلة، فهذا حق أصيل لا خلاف عليه، بل ربما يكون واجبا عليه أن ينزل إلى المدارس ويرى بنفسه مستوى النظافة والصيانة والاستعداد للعام الدراسي، لكن المساءلة شيء، وطريقة الحديث مع مدير أو معلم أمام الكاميرات شيء آخر تماما، لأن المسؤول حين يدخل المدرسة لا يدخل باعتباره شخصا في مواجهة شخص، وإنما يدخل ممثلا للدولة، وكل كلمة تصدر عنه تحمل معنى أكبر من حدود اللحظة، لكن ما شاهدناه في واقعة مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير أثار موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر المحافظ وهو ينتقد حالة المدرسة وطريقة إدارتها، بينما حاولت المديرة أن تشرح له ما قامت به من إجراءات وما واجهته المدرسة من مشكلات، وبينما اختلفت الروايات لاحقا حول حقيقة إنفاقها من مالها الخاص، وما إذا كانت المستندات المقدمة تثبت ذلك من عدمه، فإن هناك مسألة أخرى أراها أهم من كل هذا الجدل، وهي أن مدير المدرسة لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة تلقى عليها كل أزمات المدرسة بمجرد أن تظهر أمام مسؤول في جولة مفاجئة.

واذا كان من حق المحافظ من أن يسأل، وأن يحاسب، وأن يطلب مستندات وأن يتأكد من كل رواية يسمعها، لكن في المقابل من حق مدير المدرسة أن يتحدث، وأن يشرح، وأن يعرض المشكلات التي يعاني منها، وأن يقول إن هناك مذكرات ومخاطبات سابقة لم يتم التعامل معها، لأن الإدارة التعليمية في النهاية ليست مجرد مسؤول يجلس داخل مدرسة وينتظر التعليمات، وإنما هي حلقة في منظومة أكبر، وكل خلل داخلها يجب أن تكون له مسؤولية محددة ومسار واضح للمحاسبة، وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأكثر إزعاجا في المشهد كله، وهي موقف وزارة التربية والتعليم نفسها، لأن الوزير محمد عبد اللطيف تحدث أكثر من مرة وبوضوح عن الحفاظ على هيبة المعلم والمدرسة، بل أكدت الوزارة أن كرامة المعلم خط أحمر وأن أي تجاوز بحقه سيواجه بإجراءات رادعة وفورية، كما شدد الوزير على ضرورة الحفاظ على هيبة المعلم والمدرسة وتطبيق لائحة الانضباط بحزم وحسم ودون تهاون.

لذلك أسأل الوزير بكل وضوح، أين تبدأ هيبة المعلم وأين تنتهي، وهل هيبة المعلم محفوظة فقط عندما يتعرض للإهانة من طالب، ثم تصبح مسألة قابلة للنقاش عندما يأتي التجاوز من مسؤول أكبر منه في السلم الإداري، وهل المطلوب من الوزارة أن تعلم الطالب احترام المعلم بينما يرى الطالب نفسه مدير مدرسته في موقف لا يشعر فيه أن كرامته مصانة أمام المسؤول، هذه ليست دعوة إلى حماية أي مسؤول من المحاسبة، وليست محاولة لمنح مديرة المدرسة حصانة من النقد، على العكس تماما، إذا ثبت أن هناك تقصيرا فعليها أن تتحمل مسؤوليته، وإذا ثبت أن هناك مخالفات فيجب التحقيق فيها، لكن العدالة لا تعني أن نحاسب الناس فقط، وإنما تعني أيضا أن نحدد المسؤولية بدقة، وأن نفرق بين التقصير الشخصي وبين المشكلات التي تحتاج إلى عمالة وتمويل وصيانة وبنية أساسية واستجابة من جهات أخرى.

واللافت في واقعة مدرسة الشهيد أحمد سمير أن الجولة نفسها كشفت وجود مشكلات تتجاوز حدود النظافة التي بدأ بها الحوار، وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية، هل كانت المشكلة في مديرة المدرسة وحدها، أم أن المدرسة كانت تحتاج قبل وصول المحافظ إلى حلول مؤسسية لمشكلات كانت معروفة ومخاطبا بشأنها.

وشخصيا لا أحب أن تتحول الجولات المفاجئة إلى مشاهد استعراض للقوة، والشو الاعلامى، لأن قوة المسؤول ليست في أن يرفع صوته على موظف أضعف منه، وإنما في أن يصل إلى أصل المشكلة ويحلها، والمسؤول القوي ليس من يستطيع إحراج مدير مدرسة أمام الكاميرا، وإنما من يستطيع بعد مغادرته المدرسة أن يضمن ألا تتكرر المشكلة، وأن تصل الخدمة إلى الطالب، وأن يعرف كل مسؤول في المنظومة واجبه وحدود مسؤوليته.

والأخطر من الواقعة نفسها أن يشعر المعلم أو مدير المدرسة بأن عليه أن يصمت حتى لا يدخل في مواجهة مع مسؤول أعلى منه، لأننا إذا صنعنا هذه الثقافة فلن نستعيد هيبة المعلم، بل سنصنع بيئة تعليمية قائمة على الخوف، والخوف لا يبني مدرسة محترمة ولا يصنع معلما قادرا على أداء دوره ولا يربي طالبا يحترم مؤسسته التعليمية، وأنا هنا لا أفهم كيف يمكن أن نتحدث عن استعادة هيبة المعلم بينما المعلم أو مدير المدرسة نفسه قد يشعر بأنه الحلقة الأضعف داخل المنظومة، فالهيبة لا تتجزأ، واحترام المعلم لا يمكن أن يكون شعارا موجها إلى الطالب وحده، وإنما يجب أن يكون ثقافة داخل الوزارة والمديرية والإدارة والمدرسة، من الوزير إلى أصغر موظف في المنظومة.

وللحق الذين يدفعون ثمن هذه الفجوة في النهاية ليسوا المحافظ ولا الوزير ولا مدير المديرية، وإنما أولياء الأمور والطلاب، الأب الذي يريد أن يرسل ابنه إلى مدرسة آمنة ومحترمة، والأم التي تريد أن تجد معلما يشعر بقيمته ومديرا قادرا على إدارة مدرسته، والطالب الذي يفترض أن يتعلم داخل المدرسة معنى الاحترام قبل أن يتعلم أي شيء آخر، لهذا أعتقد أن وزير التربية والتعليم مطالب في هذه اللحظة بأن يتعامل مع الواقعة باعتبارها فرصة حقيقية لاختبار ما يقوله عن هيبة المعلم، لا باعتبارها مجرد فيديو جديد سينتهي تأثيره مع انتهاء موجة الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن تصريحات الوزير حول كرامة المعلم وهيبة المدرسة موجودة وموثقة، والوزارة نفسها قالت إن أي تجاوز في حق المعلم سيواجه بإجراءات رادعة وفورية.

أما أن يظل ولي الأمر تائها بين تصريحات رنانة عن تطوير التعليم وهيبة المعلم وانضباط المدرسة، ثم يشاهد على هاتفه مشاهد تناقض هذه الصورة، فهذه هي المشكلة الحقيقية التي تستحق أن نتوقف أمامها، لأن التعليم لا يصلحه الكلام وحده، ولا تستعاد هيبة المدرسة بالبيانات، وإنما تبدأ من لحظة يشعر فيها كل من يعمل داخلها أن كرامته محفوظة وأن القانون فوق الجميع وأن المحاسبة لا تعرف منصبا ولا سلطة.