بابا الفاتيكان: قيادات إسلامية ومسيحية تضع أجندة جديدة لمواجهة خطاب الكراهية والذكاء الاصطناعى

جدد البابا ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان دعمه لجهود منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي، مؤكدًا أهمية الدور الذي تقوم به في تعزيز التعايش السلمي بالمنطقة، وذلك بالتزامن مع اجتماع اللجنة التوجيهية للمنصة في العاصمة الإيطالية روما، والذي شهد مشاركة قيادات دينية إسلامية ومسيحية وخبراء في مجال الحوار، لبحث أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة.
واختتم اجتماع اللجنة التوجيهية لعام 2026 بلقاء أعضاء الوفد مع البابا ليو الرابع عشر، الذي رحب بمشاركتهم وأعرب عن تقديره لتعاونهم مع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار «كايسيد»، متمنيًا أن تثمر جهود المنصة عن مزيد من التعايش والسلام في المنطقة العربية.
من الحوار إلى التعاون العملى
ناقشت القيادات الدينية خلال اجتماع روما كيفية الانتقال بالحوار بين المسلمين والمسيحيين من اللقاءات والنقاشات إلى مبادرات عملية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على المجتمعات، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات واستقطاب وتحولات اجتماعية وتكنولوجية متسارعة.
وتصدرت ملفات منع النزاعات، وترسيخ الاستقرار في سوريا، وتعزيز الحوار بين الطوائف الإسلامية، ومواجهة خطاب الكراهية، إلى جانب التعامل مع التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، أجندة المناقشات التي حددت أولويات المرحلة المقبلة.
وأكد السفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، الأمين العام المكلف لـ«كايسيد»، أن نجاح المنصة لا ينبغي أن يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما بما تنتجه هذه الاجتماعات من إمكانيات ومبادرات وإنجازات على أرض الواقع.
سوريا فى مقدمة الأولويات
واحتل الملف السوري مساحة بارزة من المناقشات، خاصة فيما يتعلق بدور القيادات الدينية والمجتمعية في المصالحة وإعادة بناء الثقة بين السوريين.
وقالت الدكتورة هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في الجمهورية العربية السورية والعضو المؤسس في منصة الحوار والتعاون، إن مستقبل سوريا لا يرتبط فقط بإعادة بناء البنية التحتية، وإنما يحتاج أيضًا إلى إعادة بناء الثقة بين أبناء المجتمع.
وشددت على أهمية مشاركة النساء والشباب والقيادات الدينية والمجتمعية في جهود المصالحة المحلية، إلى جانب حماية التنوع باعتباره عنصر قوة وثروة وطنية، وليس سببًا للصراع أو التوتر.
الذكاء الاصطناعى والسوشيال ميديا على مائدة الحوار
ومن أبرز الملفات الجديدة التي ناقشتها القيادات الدينية خلال الاجتماع، التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي على المجتمعات وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض.
وأكد المشاركون أن الأدوات الرقمية أصبحت قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والدينية، لكنها في الوقت نفسه قد تساهم في سرعة انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية والسرديات التي تغذي الاستقطاب.
وركزت المناقشات على إمكانية توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بصورة إيجابية، واستخدامهما في نشر الحوار والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات، والوصول إلى شرائح من المجتمع يصعب الوصول إليها من خلال المؤسسات التقليدية.
مواجهة خطاب الكراهية تبدأ قبل تفاقم الانقسام
وشددت المناقشات على ضرورة قيام القيادات الدينية بدور أكثر فاعلية في مواجهة خطاب الكراهية والاستقطاب، وعدم الاكتفاء بمراقبة ما يحدث في الفضاءين الواقعي والرقمي.
وأكد مسؤولو «كايسيد» أن المكانة المجتمعية التي تتمتع بها القيادات الدينية، وشبكة علاقاتها الواسعة، تمنحها قدرة مهمة على مواجهة السرديات الضارة وفتح قنوات التواصل قبل تحول الاختلافات إلى صراعات وانقسامات مجتمعية.
وقال الأمين العام المكلف لـ«كايسيد»: «لا تكمن مهمتنا في إزالة الاختلافات، بل في ضمان ألا تتحول هذه الاختلافات إلى حواجز تعيق التعايش السلمي».
الحوار بين الطوائف الإسلامية وتعزيز التماسك المجتمعى
كما ناقش الاجتماع مشاورات الحوار بين الطوائف الإسلامية، باعتبار أن تعزيز التفاهم داخل المجتمعات الدينية ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي الأوسع في المنطقة.
وأكد المطران إيمانويل أداماكيس، كبير أساقفة مجمع خلقيدونية ورئيس مجلس إدارة «كايسيد»، أن التحديات التي تواجه أي طائفة دينية تنعكس في النهاية على المجتمع بأكمله، مشددًا على أن عافية «الآخر» تمثل شرطًا أساسيًا لبقاء الجميع.
وتناول الاجتماع كذلك أهمية تعزيز التعاون بين أوروبا والعالم العربي، حيث أكد الإمام يحيى بالافيتشيني، رئيس المجلس الأوروبي للقيادات الإسلامية ونائب رئيس الجماعة الدينية الإسلامية الإيطالية، ضرورة الانتقال من الحوار إلى التعاون عبر إجراءات ملموسة تدعم الكرامة والتعايش والقيم الإنسانية المشتركة.
3 برامج لتحويل الحوار إلى مبادرات
وتضمنت المناقشات استعراض عدد من البرامج التي يعمل من خلالها «كايسيد» وشركاؤه على تحويل الحوار إلى مشروعات ومبادرات عملية، من بينها برنامج المشاريع الحوارية الذي يدعم مبادرات محلية في المنطقة العربية، وبرنامج زمالة صحافة الحوار الذي يستهدف تعزيز الممارسات الإعلامية المسؤولة، وبرنامج «هي للحوار» الذي يدعم مشاركة النساء في جهود الحوار وبناء السلام والوساطة.
وتستهدف هذه البرامج توسيع دائرة المشاركين في جهود الحوار، لتشمل المؤسسات الدينية والمجتمعات المحلية والإعلام والنساء والشباب، بما يجعل الحوار مرتبطًا بصورة مباشرة باحتياجات المجتمعات.
أجندة جديدة للعمل فى 2027
وحدد اجتماع اللجنة التوجيهية عددًا من الملفات التي ستشكل أساس برنامج عمل المنصة لعام 2027، من بينها استكمال مشاورات الحوار بين الطوائف الإسلامية، وتعزيز المشاركة في الملف السوري، وإطلاق مبادرات مشتركة في عدد من دول المنطقة، إلى جانب تنسيق جهود مواجهة خطاب الكراهية.
ومن المنتظر أن تمثل مخرجات اجتماع روما أساسًا للاستعداد لبرنامج العمل الجديد، مع التركيز على الملفات التي يمكن للقيادات الدينية وشبكاتها الإقليمية وشراكاتها مع «كايسيد» أن تقدم فيها قيمة مضافة.
ويعكس اجتماع روما اتجاهًا متزايدًا نحو إعادة تعريف دور الحوار بين القيادات الدينية في المنطقة، بحيث لا يظل الحوار هدفًا في حد ذاته، وإنما يتحول إلى أداة للتعامل مع الأزمات، وبناء الثقة، ومواجهة خطاب الكراهية، والاستفادة من التكنولوجيا في تعزيز التفاهم والتعايش بين المجتمعات العربية.

