الكاتبه الصحفيه ماجده صالح تكتب: تجار الموت في الشوارع.. من يطارد الرؤوس الكبيرة خلف إمبراطوريات المخدرات؟

نواصل فتح ملف يشبه عش الدبابير، واحد من أخطر الملفات التي لا تفتك بمجتمع فقط، وإنما تهدد أمة بأكملها ،ملف المخدرات ومافيا تجار السموم، تلك التجارة السوداء التي تتمدد في صمت، وتقتحم الشوارع والبيوت، وتستهدف عقول الشباب، لتترك خلفها أسرا مدمرة ومجتمعنا يدفع الثمن ، ملف شائك ومخيف، لكن خطورته تفرض علينا ألا نغلقه أو نتجاهله، لأن الصمت أمام انتشار السموم قد يكون شريكًا في اتساع الكارثة.
فلم تعد المخدرات جريمة تختبئ في الظلام، لقد خرجت إلى النور، وتمددت في الشوارع، واقتربت من البيوت والمدارس ومراكز التجمعات، وتحولت في بعض المناطق إلى تجارة قذرة تبحث عن ضحاياها بلا خوف. وبينما تخوض أجهزة الأمن معارك متواصلة ضد تجار السموم، تبدو المافيا أكثر شراسة في ابتكار طرق جديدة للترويج والاختباء وإعادة بناء شبكاتها..المشهد لم يعد يحتمل الصمت أو البيانات التقليدية ، فالمخدرات لم تعد مجرد خطر على فرد، وإنما قنبلة اجتماعية تضرب الأسرة المصرية في الصميم، وتنهش شباب المجتمع، وتستنزف الدولة اقتصاديا وأمنيا وصحيا ، من الحشيش والهيروين إلى الآيس والشابو والمواد التخليقية، تتغير خريطة السموم باستمرار، بينما يطور التجار أدواتهم وأساليبهم للوصول إلى الشباب، ولم تعد التجارة تعتمد فقط على بائع يقف في زاوية شارع، وإنما تحولت إلى شبكات أكثر تنظيمًا تستفيد من التكنولوجيا ووسائل التواصل وأساليب التخفي الحديثة ، وهنا تظهر خطورة أباطرة المخدرات الذين لا يعملون بعشوائية، وإنما يديرون اقتصادا أسود قائماً على المال والتهريب والتوزيع واستقطاب الضحايا.
ولا يمكن إنكار الضربات الأمنية التي توجهها وزارة الداخلية إلى أوكار الاتجار والتشكيلات الإجرامية، لكن ضخامة الظاهرة تفرض أن تكون المواجهة أوسع وأعمق ، فكل شبكة تسقط يجب أن تتبعها عملية تجفيف كاملة لمنابعها، حتى لا تتحول عملية القبض على مجموعة من التجار إلى مجرد إزاحة مؤقتة لشبكة يعقبها ظهور شبكة أخرى ، المطلوب ضرب المافيا في عصبها الحقيقي، التمويل، والتهريب، والتخزين، والتوزيع، وغسل الأموال، والرؤوس التي تدير المشهد من خلف الستار.
فالمعركة مع تاجر الشارع وحده لن تنهي تجارة بمثل هذا التعقيد ، بائع صغير يمكن أن يسقط في قبضة الأمن، لكن إمبراطورية كاملة تستطيع أن تعيد إنتاج عشرات البائعين إذا بقيت منابعها تعمل ،والكارثة لا تتوقف عند المخدر نفسه ، هناك أسرة تنهار، وأب يستنزف أمواله، وأم تعيش الخوف، وزوجة تواجه العنف، وأطفال يدفعون ثمنًا لم يرتكبوا ذنبه.
المدمن لا يدفع وحده فاتورة السموم ، المجتمع كله يدفع ، فالإدمان يعني طاقات بشرية مهدرة، وزيادة احتمالات الجريمة والعنف، وتراجع الإنتاج، وتفكك العلاقات الأسرية، وتهديدًا مباشرًا لأمن المجتمع واستقراره...إنها تجارة لا تبيع المخدر فقط، وإنما تبيع الوهم في البداية ثم تبيع الانهيار في النهاية ، والأكثر خطورة أن مافيا المخدرات تستغل نقاط الضعف الاجتماعية، وتعرف كيف تصل إلى الشباب، وكيف تغلف السموم بأسماء وأساليب تخدع الضحايا، وكيف تجعل الجريمة تبدو أحيانًا كأنها تجارة عادية ، وهنا لا بد أن تكون الدولة أكثر سرعة وحسما من هذه المافيا...إذا كان تجار السموم يغيرون جلدهم، فعلى أدوات المواجهة أن تتطور، وإذا كانوا يستخدمون التكنولوجيا، فيجب أن تتحول التكنولوجيا إلى سلاح ضدهم ، وإذا كانوا يخفون أموالهم، فلابد أن تصل أجهزة الدولة إلى المال قبل أن تصل إلى المخدر...المواجهة الحقيقية لا يجب أن تكون مجرد حملات لضبط المخدرات، وإنما حرب متكاملة على الصناعة بأكملها، من المنبع إلى آخر حلقة في سلسلة التوزيع ، كما أن مكافحة الإدمان لا يمكن اختزالها في القبض والعقاب فقط، الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل عناصر أساسية في حماية المجتمع، لأن منع سقوط شاب في الإدمان أكثر أهمية من إنقاذه بعد أن يصبح مدمنا...إن أخطر ما يواجه مصر ليس مجرد انتشار المخدرات، وإنما قدرة تجارة الموت على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها.
ولهذا فإن نجاح الدولة في هذه المعركة لن يقاس فقط بحجم المضبوطات أو عدد المقبوض عليهم، وإنما بقدرتها على تجفيف السوق، وكسر شبكات التمويل، وإسقاط الرؤوس الكبيرة، وإغلاق منافذ الترويج، وحماية الشباب من الوقوع في الفخ.
أما أباطرة السموم، فعليهم أن يدركوا أن الشارع المصري ليس سوقا مفتوحا لهم، وأن المال الحرام لا يصنع حصانة، وأن النفوذ مهما اتسع لا يجب أن يكون أقوى من القانون.
المخدرات ليست تجارة سوداء فحسب ، إنها عدوان على المجتمع. وتاجر السموم لا يسرق أموال ضحيته فقط، بل يسرق صحته وأسرته ومستقبله...قد حان وقت الانتقال من مطاردة الأعراض إلى استئصال الجذور، ومن ضبط الصغار إلى ملاحقة الكبار، ومن التعامل مع المخدرات كجريمة منفردة إلى التعامل معها باعتبارها مافيا متكاملة تستهدف أمن المجتمع ومستقبل الدولة ، فالمعركة على المخدرات ليست معركة أرقام.. إنها معركة على عقول المصريين. ومن يعبث بعقول الشباب، يعبث بأمن الوطن ومستقبله.

