الكاتب الصحفي عبدالناصر محمد يكتب: ”النكتة بايخة”.. يا دكتور مصطفى!!

أضحكني كثيرا ذلك التصريح الذي خرج به علينا مؤخرا الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وربما انتابت الكثيرين غيري نوبة من الضحك الشديد، وهو التصريح الذي أشار فيه مدبولي إلى انخفاض نسب البطالة بمعدلات ملحوظة، وأنه التقى أحد خريجي المدارس الفنية، والذي أكد أنه يتقاضى راتبا قدره 13 ألف جنيه شهريا في الشركة الخاصة التي يعمل بها، فضلا عن أنه التقى أحد المهندسين حديثي التخرج ويعمل في نفس الشركة، والذي يتقاضى هو الآخر راتبا قدره 20 ألف جنيه شهريا.
والمتأمل لهذا التصريح يجب أن يتساءل عن الرسائل التي أراد مدبولي أن يبعث بها إلى المواطنين من خلال هذا التصريح المقتضب البسيط، والتي تتلخص في عدد من النقاط المهمة، ومنها تراجع نسب البطالة، بما يعني أن الحكومة نجحت في توفير فرص عمل في مختلف المجالات والتخصصات وبأجور مناسبة، وذلك قطعا في القطاع الخاص، حيث إن هذه الحكومة قطعت على نفسها عهدا بعدم التدخل لحل أزمة البطالة، بل وترفض تماما توفير فرص عمل للمتعطلين في أي قطاع حكومي، مهما تفاقمت أزمة عدم وجود عمالة داخل هذه القطاعات العامة، ولذلك لعبت دور الوسيط مع مصانع وشركات القطاع الخاص لتوفير الأيدي العاملة المطلوبة، فضلا عن التأكيد على انخفاض نسبة البطالة، والتي تراجعت بنسبة 6% خلال الربع الأول من العام الحالي، وذلك حسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مؤسسات حكومية، وعلى رأسها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والذي أكد أن عدد المتعطلين عن العمل تراجع إلى نحو مليوني عاطل فقط، حيث ارتفع حجم قوة العمل إلى نحو 34.6 مليون مواطن.
وهذا يعكس السياسة الحكيمة التي تتبعها الحكومة للسيطرة على معدلات البطالة، والنجاح في حدوث تراجع في نسبتها بمعدلات كبيرة، وهو الأمر الذي سوف يترك آثارا إيجابية لحدوث استقرار نسبي داخل المجتمع المحلي.
ومن الأهداف المهمة أيضا التي يرغب الدكتور مصطفى مدبولي في تحقيقها من وراء هذا التصريح، التأكيد على أهمية تحول الطلاب نحو التوجه إلى المدارس الفنية، بحيث يرسخ في أذهان الطلاب وأولياء أمورهم أهمية تلك المدارس في تعلم إحدى الحرف، وأنه بعد التخرج مباشرة سوف يجد الوظيفة في انتظاره بمرتب مناسب، وبالتالي يفر الطلاب من الثانوية العامة أو البكالوريا المزعومة.
ولكن الواقع الذي يتجاهله الدكتور مصطفى مدبولي يؤكد أن هناك عدة ملايين من الخريجين في جميع التخصصات يصطفون في طابور البطالة، ولم يجدوا فرص عمل سواء في تخصصاتهم أو ما دون ذلك، وأن الإحصاءات الحكومية نفسها لم تقف في صف رئيس الوزراء المستمر في اتباع سياسة خداع المواطنين، حيث تشير هذه الإحصاءات إلى حدوث ارتفاع كارثي في عدد المواطنين المدرجين تحت خط الفقر، والذين تجاوزت أعدادهم نحو 35 مليون مواطن، فيما تشير أحدث البيانات الإحصائية والتقديرات الاجتماعية للعام الحالي إلى أن عدد الأفراد الذين تجاوزوا سن الزواج التقليدي دون ارتباط تجاوز نحو 13.5 مليون شاب ممن هم فوق سن 30 عاما، بينما تشير تقديرات استطلاعات الرأي إلى أن نسبة العزوف أو عدم القدرة على الزواج تصل إلى 60% بين الشباب في الفئات العمرية الأصغر، نتيجة للضغوط التضخمية والاقتصادية.
ألا يدرك رئيس الوزراء أن القطاعات الحكومية المختلفة تعاني عجزا شديدا في عدد العمالة لديها، مما أثر على الخدمات التي يتلقاها المواطن من تلك المؤسسات وأدى إلى تدهورها، فضلا عن إصابة هؤلاء الموظفين، الملقى على عاتقهم تحمل أعمال إضافية، بضغوط نفسية أدت إلى وجود حالات عصبية وصدامات مستمرة مع المواطنين، وتبدو هذه الأمور بوضوح تام في المستشفيات والوحدات الصحية ومكاتب التأمينات الاجتماعية ومكاتب التموين والشركات الحكومية والسجل المدني.
ألا يدرك مدبولي، ونحن على أعتاب موسم دراسي جديد يتبقى عليه 24 ساعة فقط، أن هناك عجزا شديدا في عدد المعلمين يتجاوز 500 ألف معلم، وأنه في المقابل يوجد عدة ملايين من الخريجين، من بينهم نحو مليون خريج من كليات التربية المختلفة، يجلسون في بيوتهم ولا يجدون فرصة عمل بالمدارس، بسبب اتخاذ حكومته قرارا يمنع تعيين هؤلاء الخريجين بحجة تقليل النفقات الحكومية.
ألا يدرك رئيس الوزراء أن سياسة الخداع والخروج بتصريحات زائفة لن تنطلي على المواطن، وأصبحت بمثابة "نكتة بايخة" تثير الاشمئزاز ليس إلا، وأنه آن الأوان لعدم الاعتماد على هذه الأساليب القديمة، لأن المواطن يستشعر الخطر ويبحث عن خطوات حكومية صادقة تحقق بعض الإيجابيات التي تساعد على الخروج، نوعا ما، من دوامة الأزمات التي تحاصره.
أيها السادة.. استقيموا يرحمكم الله.
كاتب المقال: الكاتب الصحفي عبدالناصر محمد، مدير تحرير بوابة الدولة الإخبارية والخبير المالي والاقتصادي.

