بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفي جهاد عبد المنعم يكتب: بليغ حمدي.. العبقري الذي رحل وبقيت مصر كلها تتغني بالحانة

-

في ذكرى رحيل ملك الموسيقى…..

 أنساك …وسيرة الحب.. …وسواح  ومولاي  وبسم الله 

أعمال   صنعت جانبا من ذاكرة العرب

في ذكري رحيل النغم الشرقي الاصيل  وعبقري الموسيقى العربية بليغ حمدي لايمكنك إلا ان تجد نفسك تردد بعض ألحانه  التي ستبقي ابد الدهر خالدة. او كما قال هو للشيخ النقشبندي سوف الحنّ لك عملا يعيش 100 سنة والحقيقة يا استاذ بليغ ان اللحن سوف يعيش الف سنة. ومن يستطيع أن ينسب مولاي. اني ببابك قد بسط يدي من لي ألوذ به إلاك يا سندي  ورغم ان اللحن تقريبا لإبداع إلا في رمضان إلا انه يتردد في آذاننا وقلوبنا كل يوم 

والحقيقة ان مصر ولادة دائما ومنذ سيد درويش  الي بليغ حمدي هناك عشرات العبقريات ولكن يبقي بليغ حمدي علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية 

فهناك  فنانون يواصلون الحياة بعد رحيلهم لأنهم تركوا شيئا  أكبر من أعمارهم. وبليغ حمدي كان من هؤلاء.

في 12 سبتمبر 1993 غاب الموسيقار المصري الكبير في باريس لكن الغريب أن الغياب لم يحدث حقا فقد رحل الجسد فقط   واليوم وبعد 33 عاما  على رحيله ما زالت ألحانه تخرج من المقاهي والبيوت والسيارات والمسارح، ويغنيها جيل لم يكن قد ولد عندما رحل وكأن بليغ لم يترك لنا أغنيات قديمة  وإنما ترك لغة موسيقية ترفض أن تشيخ. 

كان قادرا على أن يكتب للحب كما لو أنه عاشق للمرة الأولى  وللحزن كما لو أنه يعرف الفقد شخصيا  وللوطن كما لو أن الموسيقى بندقية او مدفع وللدعاء كما لو أن العود يمكن أن يتحول بين يديه إلى محراب.

وهنا تحديدا تكمن حكايته.


من واقع التاريخ وطبقا لما هو متوافر من معلومات فقد ولد  بليغ عبد الحميد حمدي مرسي في القاهرة في 7 أكتوبر 1931 ونشأ في حي شبرا  وكان والده يعمل استاذا للفيزياء في جامعة فؤاد الأول جامعة القاهرة وقد عرف بليغ الموسيقى مبكرا وأتقن العزف على العود وهو في التاسعة ثم التحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى  إلى جانب دراسته بكلية الحقوق. 

لكن القانون لم يستطع أن ينتزع الفتى  بليغ من قدره.

وبدأ حياته الفنية مطربا وسجل بالفعل عددا من الأغنيات بصوته في الإذاعة قبل أن يكتشف أن معركته الحقيقية ليست أمام الميكروفون بل خلفه في صناعة الجملة التي سيغنيها الآخرون.

وجاءت اللحظة الفاصلة عام 1957 عندما قدم لعبد الحليم حافظ لحن  تخونوه  هنا لم يولد مجرد ملحن جديد بل بدأت واحدة من أهم المدارس اللحنية التي عرفتها الأغنية العربية الحديثة وتمني الكثير من الفنانين وقتها ان يغني اللحن 


باب أم كلثوم.. …وبداية التاريخ 

كان الاقتراب من صوت أم كلثوم امتحانا لا ينجح فيه إلا الكبار والكبار جدا فقط رياض السنباطي والقصبجي وزكريا احمد وعبد الوهاب 

لكن بليغ دخل عالمها وهو يحمل شيئا  مختلفا  يحمل روحا مصرية شعبية شديدة البساطة من الخارج عميقة التركيب من الداخل  تستطيع أن تنتقل بين المقامات الشرقية والجملة الشعبية والتوزيع الحديث دون أن تفقد هويتها.

ومع أم كلثوم صنع سلسلة يصعب أن تجتمع بهذا الثراء في مشوار ملحن واحد 

«أنساك».. «حب إيه».. «ظلمنا الحب».. «سيرة الحب».. «بعيد عنك».. «فات الميعاد».. «ألف ليلة وليلة».. «الحب كله».. وصولًا إلى «حكم علينا الهوى». 

لم يكن بليغ يحاول أن يغير أم كلثوم؛ كان يفعل شيئا  أكثر ذكاء  يأخذ عظمتها إلى منطقة جديدة دون أن ينتزعها من شخصيتها.

ولذلك حين تستمع اليوم إلى مقدمة «سيرة الحب»، أو الانطلاق الشعبي الساحر في «ألف ليلة وليلة»، أو الانكسار العاطفي في «فات الميعاد»، تدرك أنك أمام ملحن لم يكن يصنع مقدمة موسيقية، بل كان يمهد للمستمع طريق الدخول إلى الحكاية.


عبد الحليم وبليغ.. 

وإذا كانت أم كلثوم أظهرت قدرة بليغ على التعامل مع البناء الطربي الكبير، فإن عبد الحليم حافظ كشف وجها آخر تماما من عبقريته.

مع العندليب أصبح بليغ أكثر شبابا  واندفاعا وجرأة.

من «تخونوه» جاءت البداية  ثم توالت علامات لا تزال حاضرة حتى اليوم:

«سواح».. «جانا الهوى».. «أنا كل ما أقول التوبة».. «الهوى هوايا».. «زي الهوى».. «موعود».. «مداح القمر».. «حاول تفتكرني».. «أي دمعة حزن لا». 

في «زي الهوى» لا يصنع بليغ لحنا للحب فقط بل يرسم دورة كاملة للعلاقة  لقاء ولهفة وارتباك وانكسار.

وفي «موعود» يصبح اللحن نفسه رحلة.

أما «سواح»، فكانت نموذجا لعبقريته في تحويل الروح الشعبية المصرية إلى موسيقى قادرة على السفر من القاهرة إلى كل مدينة عربية.

وهنا كان سر بليغ: المحلية عنده لم تكن عكس العالمية  كانت الطريق إليها.


وردة وبليغ.. عندما اختلطت قصة الحب بتاريخ الأغنية

لا يمكن الحديث عن بليغ حمدي دون وردة الجزائرية.

كان اللقاء بينهما أكثر من تعاون مطربة وملحن؛ أصبح قصة حب وزواج وفن، وخرجت منه أعمال أصبحت جزءا  رئيسيا من رصيد وردة ومن ذاكرة الأغنية العربية.

منها:

«حكايتي مع الزمان».. «وحشتوني».. «اشتروني».. «العيون السود» وغيرها من الأعمال التي جعلت صوت وردة واحدًا من أكثر الأصوات التصاقًا بعالم بليغ الموسيقي. 

ويمكن في بعض تلك الألحان أن تشعر بأن المسألة تجاوزت حدود الصناعة الفنية؛ هناك جملة موسيقية تبدو أحيانًا كأنها رسالة، وأخرى كأنها عتاب، وثالثة كأنها اعتراف لم يجد بليغ طريقة لقوله إلا بالنغم.

لقد انتهت العلاقة الزوجية، لكن الموسيقى كانت أذكى من النهايات؛ احتفظت بالقصة بعدما انتهى أصحابها منها.


بليغ الشعبي.. عندما دخل الشارع المصري إلى الأوركسترا

كان بليغ مفتونا بالموسيقى الشعبية المصرية.

لم ينظر إليها باعتبارها فنا  أقل مرتبة من الموسيقى الكلاسيكية، بل رأى فيها مخزونا هائلا  يمكن إعادة صياغته وتقديمه لجمهور جديد.

وتجلى ذلك بوضوح في تعاونه مع محمد رشدي وشعراء العامية وعلى رأسهم عبد الرحمن الأبنودي، وفي أعمال ساعدت على إطلاق موجة جديدة من الأغنية المصرية في الستينيات.

وعندما أسس شركة رمسيس للأسطوانات، كانت «عدوية» لمحمد رشدي من الأعمال المبكرة المرتبطة بهذا المشروع. 

أخذ بليغ الإيقاع القادم من القرية والموال والمولد والشارع والصعيد والدلتا، ثم وضعه إلى جوار الآلات الحديثة.

لم يقلد التراث.

كان يعيد تشغيله.


من الحب إلى الجبهة.. الموسيقار الذي لحن لمصر وهي مجروحة ومنتصرة

لكن اختزال بليغ في الأغنية العاطفية ظلم كبير.

عندما مرت مصر بأكثر لحظاتها قسوة، كان موجودا .

بعد هزيمة يونيو جاءت «عدى النهار» بصوت عبد الحليم وكلمات عبد الرحمن الأبنودي ولحن بليغ؛ أغنية لم تنكر الهزيمة ولم تتاجر بالحماس، بل بدأت من الوجع وانتهت بالإصرار على أن النهار سيعود. وتصفها مصادر صحفية مصرية بأنها من أبرز الأغنيات التي عبّرت عن جرح 1967 وروح المقاومة بعده. 

وعندما جاء أكتوبر 1973 تغير الإيقاع.

دخل بليغ مبنى الإذاعة المصرية بحماس اللحظة، وخرجت «بسم الله.. الله أكبر»، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحانه، واحدة من أشهر أغنيات العبور. وتروي «الأهرام» أن بليغ استعان بمجموعة من العاملين داخل مبنى الإذاعة لتسجيل الكورال في أجواء استثنائية فرضتها ظروف الحرب. 

ثم هناك «عاش اللي قال» لعبد الحليم، و**«حلوة بلادي السمرا»** و**«بالأحضان يا سينا»** وغيرها.

في تلك اللحظات أثبت بليغ شيئا مهما :

الفنان الحقيقي لا يقف بعيدا عن تاريخ وطنه أحيانًا يصبح صوته جزءا  من التاريخ نفسه.


«مولاي إني ببابك».. حين دخل بليغ من باب الحب إلى باب السماء

ربما تكفي أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم ووردة لصناعة تاريخ أي ملحن.

لكن بليغ فعل شيئاآخر.

جلس أمام أحد أعظم أصوات الإنشاد الديني  الشيخ سيد النقشبندي، ليصنع معه عملا سيصبح بعد عقود جزءا  من الذاكرة الروحية للمصريين والعرب:

«مولاي إني ببابك».

كان اللقاء بناءً على رغبة الرئيس أنور السادات عام 1972، وكان النقشبندي في البداية متحفظا جدا على فكرة أن يلحن له ملحن الأغنيات العاطفية، قبل أن يسمع ما أعده بليغ وتتغير الصورة تمامًا. الكلمات لعبد الفتاح مصطفى، واللحن لبليغ، والصوت للنقشبندي؛ وكانت النتيجة عملًا لا يزال حاضرًا بقوة بعد أكثر من نصف قرن. 

وهنا تظهر عبقرية الرجل بوضوح.

الملحن الذي أخذ أم كلثوم إلى «ألف ليلة وليلة»، وعبد الحليم إلى «زي الهوى»، ووردة إلى «حكايتي مع الزمان»، هو نفسه الذي عرف كيف يتراجع أمام جلال صوت النقشبندي ليصنع فضاءً موسيقيًا مختلفًا تمامًا.

القضية لم تكن أن لبليغ أسلوبًا واحدًا ناجحًا؛ العبقرية أنه كان يعرف كيف يصبح بليغًا مختلفًا مع كل صوت.


لم يكن ملحن أغنيات فقط.. السينما والمسرح والدراما تحمل توقيعه

امتدت موسيقى بليغ إلى خارج الأغنية.

وضع موسيقى وألحانًا لأعمال سينمائية ومسرحية وتليفزيونية عديدة، من بينها «شيء من الخوف» و«أبناء الصمت» و«العمر لحظة» و«أضواء المدينة» و«إحنا بتوع الأتوبيس»، كما ارتبط بالمسرح الغنائي وأعمال مثل «ريا وسكينة»، ووصلت رحلته في سنواته الأخيرة إلى «بوابة الحلواني». 

كان يتعامل مع الموسيقى باعتبارها دراما قبل أن تكون زينة للصورة.