المستشار محمد سليم يكتب: مصر أمام الأمم المتحدة.. الأمن المائي والقضية الفلسطينية ضروريات حتمية

في مشهد دولي رفيع المستوى، تشارك فيه نحو 130 من رؤساء الدول والحكومات وممثلي الدول في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، جاءت كلمة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، حاملة رسائل الدولة المصرية إلى المجتمع الدولي بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الأمن المائي المصري، والقضية الفلسطينية، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتمسك بالاحتكام إلى القانون الدولي، إلى جانب الدعوة إلى إصلاح حقيقي وشامل لمجلس الأمن بما يواكب التحولات الدولية ويعزز عدالة التمثيل داخل مؤسسات النظام الدولي.
وفي هذا المحفل الدولي، نقل الدكتور مصطفى مدبولي مواقف مصر تجاه القضايا التي ترتبط بأمنها ومصالح شعبها، مؤكدا أن الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة، وأن الدولة المصرية تتمسك بحقها المشروع والمكفول في حماية أمنها المائي، وهي رسالة تضع قضية المياه في مكانتها باعتبارها من الملفات المرتبطة مباشرة بحياة المصريين ومستقبل الأجيال المقبلة.
واللافت في الرسالة المصرية أنها لم تضع حق التنمية في مواجهة التعاون، بل أكدت أن مصر لا تقف ضد حق أي شعب في التنمية، وإنما تتمسك بأن تكون إدارة الموارد المائية العابرة للحدود قائمة على التعاون والتنسيق، وبما يحفظ حقوق ومصالح جميع الأطراف، وهي رؤية تجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية وفتح المجال أمام الحلول السياسية والقانونية التي تحقق الاستقرار.
وهنا تتضح طبيعة الموقف المصري في قضية الأمن المائي، فالدولة تؤكد حقها في حماية مواردها ومصالحها، وفي الوقت نفسه تطرح التعاون والحوار باعتبارهما الطريق إلى تسوية القضايا محل الخلاف، بما يجعل احترام حقوق مصر جزءا من أي تصور عادل ومستدام للتعامل مع ملف المياه.
غزة.. رسالة مصرية تتجاوز حدود الأزمة
وفي القضية الفلسطينية، حملت كلمة الدكتور مصطفى مدبولي رسائل واضحة بشأن ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، واستمرار الجهود الإنسانية، والتعامل مع الأزمة باعتبارها قضية تتطلب تحركا دوليا جادا يتجاوز إدارة تداعياتها إلى معالجة جذورها.
وأكد مدبولي أن مصر كانت أكبر مصدر للمساعدات الإنسانية التي وصلت إلى قطاع غزة، مشددا على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار وفقا لخطة شرم الشيخ وخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما يعكس استمرار انخراط مصر في الجهود الرامية إلى احتواء الأزمة ودعم المسار السياسي والإنساني.
وتأتي هذه الرسائل في سياق موقف مصري يؤكد أن استمرار الأزمات دون حلول سياسية شاملة لا يؤدي إلى تحقيق الاستقرار، وأن التعامل مع الأوضاع الإنسانية يجب أن يتزامن مع تحرك سياسي يضع حدا للصراع ويفتح الطريق أمام تسوية عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية.
القانون الدولي.. أساس لاستقرار النظام العالمي
ومن بين الرسائل الرئيسية التي حملتها كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، التأكيد على الحاجة إلى استعادة الاحتكام إلى القانون الدولي، في ظل تعدد الأزمات والصراعات التي يشهدها العالم، وما تفرضه هذه التطورات من ضرورة تعزيز دور المؤسسات الدولية في حماية السلم والأمن الدوليين.
فالقانون الدولي، كما تطرح مصر في مواقفها المعلنة، لا ينبغي أن يكون مجموعة من القواعد التي يتم التعامل معها بصورة انتقائية، وإنما إطارا منظما للعلاقات بين الدول، يضمن احترام السيادة والحقوق ويتيح معالجة النزاعات من خلال الوسائل السياسية والقانونية، بما يدعم الاستقرار ويحد من اتساع دائرة الصراعات.
ومن هنا، فإن الرسالة المصرية أمام الأمم المتحدة لم تقتصر على الملفات التي تمس المنطقة بصورة مباشرة، وإنما امتدت إلى قضية أوسع تتعلق بمستقبل النظام الدولي وقدرته على التعامل مع المتغيرات والأزمات المتلاحقة.
إصلاح مجلس الأمن.. مطلب مصري مستمر
وفي السياق نفسه، أكدت مصر تمسكها بإصلاح حقيقي وشامل لمجلس الأمن، بما يعزز عدالة التمثيل داخل المؤسسة الدولية الأهم المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، ويواكب التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية.
وتطرح مصر في هذا الإطار ضرورة تطوير منظومة العمل الدولي بما يعكس الواقع العالمي الجديد، ويمنح الدول والمجتمعات تمثيلا أكثر عدالة وفاعلية داخل المؤسسات الدولية، بما يسهم في تعزيز قدرة هذه المؤسسات على التعامل مع الأزمات بصورة أكثر كفاءة وفاعلية.
وهكذا جاءت كلمة الدكتور مصطفى مدبولي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتضع مجموعة من الملفات المصرية والإقليمية والدولية في إطار واحد، يبدأ من الأمن المائي الذي وصفته مصر بأنه قضية وجودية، ويمر بالقضية الفلسطينية وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار واستمرار المساعدات الإنسانية، وصولا إلى الدعوة للتمسك بالقانون الدولي وإصلاح مجلس الأمن.
وفي ظل مشاركة دولية رفيعة المستوى تضم نحو 130 من رؤساء الدول والحكومات وممثلي الدول، اكتسبت الرسائل المصرية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية خاصة من حيث طرحها مباشرة أمام ممثلي المجتمع الدولي، لتؤكد أن القاهرة تتعامل مع قضاياها الأساسية من خلال رؤية تجمع بين حماية المصالح الوطنية، والدعوة إلى التعاون، والتمسك بالقانون الدولي، ودعم الحلول السياسية للقضايا الإقليمية.
وتكشف هذه الرسائل عن ثبات المحاور الرئيسية للموقف المصري تجاه الملفات التي تمس الأمن القومي والمصالح الإقليمية، فالأمن المائي يرتبط بحياة المصريين، والقضية الفلسطينية ترتبط باستقرار المنطقة وحقوق الشعب الفلسطيني، وإصلاح مؤسسات النظام الدولي يرتبط بقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع عالم يشهد تحولات متسارعة.
وفي النهاية، جاءت مشاركة مصر في هذا المحفل الدولي لتضع أمام العالم مجموعة من الرسائل الواضحة، تؤكد تمسك الدولة بحقوقها ومصالحها، ودعمها للقضية الفلسطينية، ودعوتها إلى الاحتكام للقانون الدولي، ومطالبتها بإصلاح مؤسسات العمل الدولي، وهي رسائل تعكس رؤية مصرية تقوم على حماية المصالح الوطنية مع الاستمرار في طرح الحلول السياسية والتعاون الدولي باعتبارهما مسارا أساسيا لمعالجة الأزمات وتحقيق الاستقرار.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

