بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

رجب هلال حميدة يكتب: من إقطاع البويهيين إلى تنمية مصر.. حين تصنع الأرض قوة الدولة

رجب هلال حميدة
-

يستدعي التاريخ ليربط بين الماضي والحاضر نحو سياسات التنمية، الجذور الأولى للإقطاع العسكري والتنموي لدى البويهيين والسلاجقة.

تخطئ القراءات السطحية للتاريخ عندما يظن البعض أن تخصيص الأراضي أو ما عرف تاريخيا بـ"نظام الإقطاع" بدأ مع الأيوبيين.

الحقيقة أن الدولة البويهية في القرن العاشر الميلادي كانت أول من وضع اللبنات الأولى للإقطاع العسكري الممنهج نتيجة شح السيولة النقدية في الخزانة المركزية، ثم جاءت الدولة السلجوقية لتحدث ثورة إدارية على يد وزيرها العبقري نظام الملك، الذي نظم "الإقطاع السلجوقي" وحوله من مجرد وسيلة لدفع الرواتب إلى أداة للتنمية الشاملة وتأمين حدود الدولة المترامية، ففي هذا النظام لم يكن صاحب الإقطاع مالكا للأرض، بل كان "مستثمرا ومسؤولا تنفيذيا" مفوضا من الدولة، يلتزم باستصلاحها، وحماية طرق التجارة فيها، وتقديم الدعم العسكري للدولة من ريعها، وهو تماما ما يماثل فكرة إسناد الأراضي لجهات قادرة على الإدارة والتأمين في عصرنا الحالي.

العصر الذهبي: العبقرية الأيوبية والتنظيم المملوكي في مصر

عندما انتقل هذا النظام إلى مصر، طوره السلطان صلاح الدين الأيوبي لمواجهة التهديد الصليبي الجسيم، وقام صلاح الدين بإعادة توزيع أراضي مصر الشاسعة على أمراء جيشه، ليس بغرض الاحتكار، بل لتحقيق التمويل الذاتي للدفاع والتنمية.

ثم بلغ النظام ذروته في العصر المملوكي عبر ما عرف بـ"الروك"، وهو مسح الأراضي وتقييمها، فتحول المماليك بالأرض إلى قاطرة اقتصادية، فكان الأمير المملوكي ملزما بحفر الترع، وإقامة الجسور، وتعمير القرى الواقعة في إقطاعه، وبفضل هذا التخصيص الذكي للموارد، امتلكت الدولة المملوكية القوة الاقتصادية والعسكرية لدحر التتار والصليبيين معا، وتمويل أضخم حركة عمران وتجارة شهدها العالم الإسلامي في العصور الوسطى.

العصر الحالي: الطفرة العمرانية كخط دفاع أول

إذا أسقطنا هذه الفلسفة التاريخية على مصر الحديثة، نجد أن الدولة تنتهج السياسة ذاتها ولكن بأدوات العصر، ففي النشاط العمراني، واجهت مصر تحدي الانفجار السكاني وحصار الوادي الضيق، وهنا جاءت صحة قرار الدولة بتخصيص مساحات ضخمة من الأراضي الصحراوية لشركات التطوير العقاري الكبرى والجهات الوطنية.

وتبرز هنا مجموعة طلعت مصطفى كنموذج وطني رائد في تحويل الصحراء المجدبة إلى مدن عالمية تنبض بالحياة، بدءا من الرحاب ومدينتي وصولا إلى مشروع نور وسيليا والساحل الشمالي، حيث نجحت المجموعة عبر شراكات استراتيجية مع الدولة في جذب استثمارات ضخمة تخطت مئات المليارات من الجنيهات.

هذه السياسة حققت مكاسب استراتيجية هائلة، فأسهمت في تمويل المدن الجديدة ذاتيا بدلا من تحميل موازنة الدولة أعباء بناء مدن الجيل الرابع، كالعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وشرق بورسعيد، فيقوم المستثمرون والشركات الكبرى بضخ الاستثمارات لتطوير هذه الأراضي وتحويل الصحراء إلى مراكز جذب سكاني واستثماري، لتخفيف التكدس وتوفير ملايين فرص العمل، فتحول قطاع التشييد والبناء إلى المحرك الأساسي للاقتصاد المصري، مما استوعب ملايين الأيدي العاملة وحمى المجتمع من البطالة.

قطاع الاستصلاح الزراعي: تأمين الغذاء

فلا يتوقف الوعي الاستراتيجي عند العمران البشري، بل يمتد بقوة إلى النشاط الزراعي، إن مشروعات عملاقة مثل الدلتا الجديدة وتوشكى الخير واستصلاح أراضي وسط سيناء، تتطلب استثمارات فلكية وبنية تحتية عملاقة من شبكات ري وطرق ومحطات معالجة مياه لا تقوى عليها الميزانيات التقليدية.

هنا يبرز الدور المحوري لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، كذراع وطنية استراتيجية تقود قاطرة الأمن الغذائي، ويستهدف هذا المشروع القومي العملاق استصلاح وتنمية نحو 4.5 مليون فدان بحلول عام 2028، وهو ما يعادل ما يقترب من نصف المساحة المنزرعة تاريخيا في مصر.

فتخصيص هذه المساحات الشاسعة لهذه الجهة الوطنية المؤهلة هو السبيل الوحيد والمنهج الصحيح لتحقيق الأمن الغذائي، حيث نجح الجهاز في تطبيق تكنولوجيا الزراعة الحديثة والري المطور لترشيد المياه، وتحقيق إنتاجية ضخمة تسهم في تأمين السلع الاستراتيجية كالقمح والذرة والزيت والتمور والخضروات والفاكهة، والحد من الفاتورة الاستيرادية المرهقة للاقتصاد، وتحويل المناطق الحدودية والصحراوية إلى مناطق مأهولة بالبشر والنشاط الاقتصادي.

دور القوات المسلحة والجهات الوطنية في سرعة التنفيذ والتأمين

تلعب القوات المسلحة المصرية والجهات الوطنية دورا يشبه إلى حد كبير الدور التنموي والأمني الذي كان يقوم به قادة الجند في العصور الأيوبية والمملوكية، ولكن برؤية مؤسسية حديثة، وتتميز هذه الجهات بالانضباط الصارم، والسرعة الفائقة في الإنجاز، والقدرة على إدارة المشروعات القومية العملاقة في ظروف بيئية وجغرافية قاسية.

إن إشراف القوات المسلحة على شق الترع العملاقة، مثل نهر الدلتا الجديدة الاصطناعي بطول 114 كم، وبناء محطات معالجة المياه الأكبر عالميا، مثل محطة بحر البقر ومحطة الدلتا الجديدة، وإنشاء الطرق والمحاور الجديدة، يضمن حماية هذه الاستثمارات وتأمينها كأصول استراتيجية تمس الأمن القومي مباشرة، ويقطع الطريق أمام أي تهديدات أمنية أو تخريبية في المناطق الصحراوية والحدودية.

المقارنة التاريخية: التزامات المستثمر المعاصر وأمراء العصور السابقة

يوضح التاريخ كيف تتقاطع أهداف الدولة عبر العصور في تخصيص الأراضي، وتحول الالتزامات من الطابع العسكري القديم إلى الطابع التنموي والاقتصادي الحديث.

في العصور السابقة، كان تخصيص الأراضي يقوم على حيازة أو استغلال الأرض مع بقاء الأرض ملكا لبيت المال، بينما يتم في العصر الحالي تخصيص استثماري يقوم على حق الانتفاع أو التملك المشروط بجدية التنفيذ وسداد القيمة.

وفي العصور السابقة كان الهدف هو الالتزام العمراني والتنموي من خلال حفر الترع وإقامة الجسور وتعمير القرى التابعة للإقطاع، وضمان الالتزام المالي للتمويل الذاتي للجنود والسلاح وتخفيف العبء المالي عن خزينة السلطان المركزية، بينما يتمثل الهدف في عصرنا الحالي في ضخ رؤوس أموال ضخمة وضمان التدفقات النقدية دون تحميل الموازنة العامة للدولة أعباء إضافية.

وقد استهدف حكام مصر السابقون البعد الأمني والقومي للدفاع العسكري المباشر عن الإقليم ضد الغزاة، التتار والصليبيين، وحفظ الأمن الداخلي، بينما تسعى الدولة في عصرنا الحديث إلى تحقيق الأمن الغذائي، وتأمين الحدود عبر التعمير البشري والنمو الاقتصادي.

ويعود ذلك بالخير على المواطنين من خلال تنشيط حركة التجارة الداخلية، وبناء المدن، والتوسع العمراني والزراعي أفقيا، وبناء المساجد، وتوفير ملايين فرص العمل للشباب، ودفع الضرائب، وتنشيط قطاعات الصناعة والمقاولات الوطنية.

إن الانتقادات الموجهة لسياسة الدولة المصرية في تخصيص الأراضي تنبع من عدم إدراك لمتطلبات بناء الدول وحماية الأمن القومي، فالتاريخ يثبت، من أيام البويهيين والسلاجقة، وصولا إلى الأيوبيين والمماليك، أن الأرض المتروكة فراغا هي عبء وتهديد، وأن الدولة الذكية هي التي تشرك القوى الاقتصادية والتنفيذية الفاعلة لتوليد الثروة وتعمير الفضاء.

وما تفعله مصر اليوم في ملفي العمران والزراعة عبر كيانات وطنية عملاقة وبإشراف ومتابعة دقيقة من مؤسساتها العسكرية والتنفيذية هو تطبيق متطور لهذه الحكمة التاريخية، فتحويل الصحراء الممتدة إلى قلاع عمرانية وسلال غذاء يؤمن مستقبل الأجيال القادمة.