بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد خليفة يكتب: التوهان المنظم.. عندما يصبح غياب التخطيط أسلوبا لإدارة الأزمات

المستشار محمد خليفة
-

ملفات غامضة ومبهمة لا يعلم عنها أحد شيئا ولن يعلم عنها أحد شيئا، لا في الحاضر ولا في المستقبل ولا حتى في الأحلام... لا من يديرها ولا من يوجهها ولا إلى أين تمضي.

توهان مسبوك بعناية ومنظم بدقة، فلا أحد يملك خيطا لخطوة حل، ولا يوجد أي إجراء مؤسسي يتعامل معها برؤية واضحة، وكأن القدر المحتوم قد صدر بأن نعيش معها ونتعايش مع وجودها فرضا لا مفر منه ولا سبيل لإغلاقه أو حسمه نهائيا.

كثير من الملفات في حياتنا اليومية لم تعد مجرد أزمات عابرة أو مشكلات بسيطة، بل تحولت إلى ما يشبه الدوامة التي لا نعرف لها بداية ولا نهاية، ملفات لا يعلم أحد من يديرها ولا إلى أين تتجه ولا كيف تصنع قراراتها، ملفات يراد للناس أن يعيشوا معها في حالة استسلام كامل، وكأن التعايش مع الخلل والمتاعب اليومية قد أصبح فرضا لا مفر منه.

إننا لسنا أمام عشوائية جاءت بالصدفة، بل أمام أسلوب عمل غير مباشر يمكن تسميته بـ"التوهان المنظم"، والذي يمثل في جوهره جريمة غياب التخطيط والتغافل الصريح عن حماية الناس والشارع.

تتأمل المشهد الميداني فتجد ملف النظافة والقمامة في مقدمة هذا التوهان، تداخل وتخبيص بين المحليات وهيئات النظافة وعقود غير واضحة مع الشركات، ليترك الشارع في النهاية لعمال الفرز العشوائي والنباشين ليتحكموا في المظهر العام، وتتحول الشوارع إلى مقالب مفتوحة للقمامة.

وفي الوقت نفسه يظهر ملف إنارة الطرق والشوارع كنموذج غريب للتناقض، تجد أعمدة إنارة تعمل في قلب النهار وهدر واضح للكهرباء، بينما تظلم طرق حيوية ورئيسية بالكامل ليلا بحجة التوفير، ليتحول الشارع في الظلمة إلى مصيدة للحوادث ومخاطرة حقيقية تهدد أرواح الناس وأمانهم.

والكارثة الكبرى تجدها في ملف كلاب الشوارع، فتجد أزمة معلقة بين صرخات الرفق بالحيوان ومخاوف الناس على أطفالهم، فلا توجد حملات حقيقية وشاملة للتعقيم والتطعيم، ولا توجد أماكن محددة لإيوائها، ليبقى المواطن والشارع في مواجهة يومية بلا حماية ولا حل.

أما مذابح الأشجار فتلك أزمة أخرى، قطع صامت للظل والأكسجين والجمال بحجة التوسعة والتطوير، لتتحول المساحات الخضراء التي كانت تظلل الناس إلى أسفلت وخرسانة ملتهبة، دون تقديم بدائل خضراء تعوض هذا الخراب.

ولا يقف الأمر عند الشجر والطرق، بل يمتد إلى الناس أنفسهم عبر ملف المشردين في الشوارع، الذين يواجهون قسوة البرد والحر بلا مأوى كريم أو رعاية حقيقية، وملف مناهج المرحلة الابتدائية التي تحولت إلى حقل تجارب لا يهدأ، تتغير القرارات فيها مع كل مسؤول جديد، ليبقى التلميذ وولي الأمر في حيرة وشتات دائم، وصولا إلى ملف بطاقات التموين ورغيف الخبز الذي تلاحقه قرارات الحذف وشروط الإضافة المعقدة، ليبقى المواطن في قلق دائم على قوته الأساسي.

إن خطورة التوهان المنظم لا تكمن فقط في تكرار هذه المشاكل، بل في أن الجميع يتهرب من المسؤولية، فلا أحد يعرف من هو "المسؤول الأول" عن الملف، فعندما تتوزع المسؤولية بين الإدارة المحلية والكهرباء والبيئة والتضامن والتعليم والتموين، تضيع الحقيقة بين الأوراق واللجان والمكاتب، وتتحول آلية العمل من التخطيط المسبق والحلول الجذرية إلى مسكنات، حيث تحرك حملة استعراضية سريعة فقط عندما تخرج شكوى على فيسبوك أو تنتشر صورة، لتلتقط الصور وتنشر التقارير، ثم تعود المياه إلى مجاريها القديمة بمجرد انصراف الكاميرات.

إن إدارة أمور الناس لا يمكن أن تدار بأسلوب إطفاء الحرائق بعد اشتعالها، وإن استمرار غياب التخطيط الواضح والتهرب من المسؤولية المباشرة في هذه الملفات ليس مجرد إهمال بسيط يغتفر، بل هو تقصير صريح يهدر الموارد ويقتل الأمل ويجبر المواطن كل يوم على دفع ثمن هذا التوهان من راحته وأمانه وصحته.

كاتب المقال: محمد خليفة

مستشار التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر