بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

رجب هلال حميدة يرد على زاهي حواس: القرآن لا يحتاج إلى شهادة الآثار.. «وكلم الله موسى تكليما» ليست وجهة نظر

-

في قضية تمس واحدا من أصول الإيمان لدى المسلمين، لا ينبغي أن تختلط حدود علم الآثار بحدود العقيدة، ولا أن يتحول غياب الدليل المادي في حفائر لم تكشف كل ما تحت الأرض إلى دليل على نفي ما أخبر به القرآن الكريم، فلكل علم مجاله وأدواته، وللنص الديني عند المؤمنين مصدر آخر للحقيقة لا يخضع لاختبارات المعمل ولا لنتائج الحفريات.

ومن هنا يأتي ردي على الدكتور زاهي حواس، بكل تقدير لمكانته العلمية في مجال الآثار، ولكن أيضا بكل وضوح في التمييز بين ما يستطيع عالم الآثار أن يثبته بأداة أثرية، وبين ما يؤمن به المسلم باعتباره خبرا قرآنيا قطعيا، فحواس نفسه قال في تصريحات منشورة إن غياب الدليل الأثري لا يعني بالضرورة نفي صحة الكتب السماوية، كما تحدث عن أن ما تم اكتشافه من آثار مصر القديمة لا يمثل إلا جزءا من إجمالي ما يمكن اكتشافه.

والسؤال هنا ليس: هل عثرنا على حجر فرعوني كتب عليه أن الله كلم موسى؟ وإنما السؤال الأهم: هل القرآن نفسه تحدث عن الواقعة بلفظ يحتمل الشك في أصل التكليم؟

الإجابة عند المؤمن بالنص القرآني واضحة، يقول الله تعالى: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا».

وهنا لا نتحدث عن رواية تاريخية مجهولة المصدر، وإنما عن آية قرآنية صريحة، جاء فيها الفعل «كلم» مؤكدا بالمصدر «تكليما»، وهو ما فهمه جمهور أهل السنة على أنه إثبات حقيقي لتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام، لا مجرد إلهام أو رؤيا أو خاطر.

ثم تأتي آية أخرى لتؤكد المعنى من جهة التركيب اللغوي: «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ».

فالفاعل في «كلمه» هو «ربه»، والضمير في «كلمه» يعود إلى موسى عليه السلام، وهو تركيب عربي واضح في إسناد فعل التكليم إلى الله تعالى.

ولذلك فإن البحث عن دليل أثري على واقعة الوحي لا يمكن أن يكون معيارا للحكم على صدق القرآن أو بطلانه، تماما كما أن عدم العثور على وثيقة مادية تثبت واقعة غيبية لا يعني أن الواقعة لم تحدث.

أما ما يتعلق بفلسفة التسجيل لدى ملوك مصر القديمة، فهنا تبرز نقطة مهمة تستحق البحث العلمي الهادئ، فقد أوضح حواس نفسه أن النظام الملكي المصري القديم كان يقوم على إظهار الملك منتصرا، وأن تسجيل هزيمته أو غرقه كان يتعارض مع الصورة التي أراد النظام الملكي ترسيخها عن الملك.

وهذا تحديدا يجعل غياب رواية الهزيمة من السجلات الملكية أمرا يحتاج إلى تفسير، لا إلى تحويله تلقائيا إلى نفي للقصة الدينية.

بل إن التاريخ نفسه يقدم أمثلة على أن الملوك كانوا يعيدون صياغة الأحداث بما يخدم صورتهم السياسية، ومن أشهر الأمثلة معركة قادش في عهد رمسيس الثاني، التي صورت في النقوش الملكية بصورة تمجد انتصار الملك.

ثم هناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن القول بعدم وجود دليل أثري حتى الآن يجب أن يبقى في حدوده العلمية الصحيحة: «حتى الآن».

فحواس نفسه تحدث عن أن نسبة كبيرة من آثار مصر القديمة لم تكتشف بعد، وهو ما يعني أن عدم العثور على دليل لا يساوي علميا إثبات عدم وجوده.

وهنا أقول للدكتور زاهي حواس: أنت تتحدث بلغة عالم الآثار، وهذا حقك واختصاصك، ونحن نتحدث في المقابل عن نص قرآني يؤمن المسلم بأنه وحي من الله، فلا يصح أن نضع النص القرآني في مواجهة حفارة أثرية، أو نجعل نتائج التنقيب معيارا للحكم على الوحي.

إن القرآن لم يقل إننا سنجد على جدران المعابد الفرعونية عبارة «كلم الله موسى»، ولم يقل إن فرعون سيترك لنا محضرا رسميا يقر فيه بأنه واجه موسى وأن جنوده غرقوا.

القرآن قدم روايته باعتبارها وحيا إلهيا، والمؤمن بها لا ينتظر من حجر أو بردية أن تمنحه الإذن بالإيمان.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام العلم يقتضي ألا ننسب إلى الآثار ما لم تثبته، كما يقتضي ألا ننسب إلى غياب الأثر ما لا يستطيع الأثر إثباته.

ولذلك فالمسألة في النهاية ليست معركة بين زاهي حواس والقرآن، ولا بين علماء الآثار والمؤمنين، وإنما هي ضرورة للفصل بين مجالين مختلفين، علم الآثار يبحث فيما تركه الإنسان وراءه من شواهد مادية، أما الإيمان بالغيب والوحي فله مصادره وأصوله الخاصة.

أما قوله تعالى: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا»، فهذه بالنسبة للمؤمن ليست فرضية أثرية تنتظر أن تؤكدها حفائر، وإنما خبر قرآني يؤمن به المسلم كما جاء، ويظل البحث الأثري مفتوحا فيما يمكن للأثر أن يثبته أو ينفيه.

وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل: غياب الأثر ليس أثرا على الغياب، وعدم اكتشاف الدليل ليس دليلا على استحالة وقوع الحدث.

وفي المقابل، يبقى من حق علماء الآثار أن يقولوا: لم نجد حتى الآن دليلا ماديا يثبت هذه الواقعة، لكن ليس من حق أحد أن يحول هذه العبارة العلمية المحدودة إلى حكم على العقيدة أو على صدق القرآن.

هذا هو الرد الذي يجب أن يقال بهدوء، ولكن بوضوح، لأن الإيمان ليس حفرا في الرمال، والوحي ليس نقشا على جدار، والقرآن عند المؤمنين ليس وثيقة تنتظر شهادة عالم آثار حتى تكتسب حجيتها.