ايمي سراج الدين تكتب.. 10.2 مليون حكاية.. هل نستعد لشيخوخة مصر؟

هناك أخبار نقرأها ثم ننتقل إلى غيرها، وهناك أرقام من المفترض ألا تسمح لنا بالنوم هادئين.
اليوم، وفي اليوم العالمي لكبار السن، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وصول عدد كبار السن في مصر إلى 10.2 مليون شخص خلال عام 2026، يمثلون 9.3% من إجمالي السكان، مقابل 9.8 مليون في عام 2025.
بالنسبة لي، الرقم ليس مجرد مؤشر ديموغرافي.
إنه إنذار مبكر بأن المجتمع المصري يتغير، وأن قضية كبار السن لم تعد ملفًا هامشيًا يمكن التعامل معه في المناسبات، بل أصبحت قضية اجتماعية وصحية واقتصادية ستكبر معنا خلال السنوات المقبلة.
السؤال الحقيقي ليس: كم أصبح عدد كبار السن؟
السؤال: هل نحن مستعدون لأن نكبر؟
هذه هي النقطة التي يجب أن نبدأ منها.
فكبار السن ليسوا فئة تحتاج إلى الرعاية فقط؛ كثير منهم يمتلكون خبرات طويلة، وقدرة على العطاء، وذاكرة اجتماعية لا يمكن تعويضها. لكن التقدم في العمر قد يصاحبه احتياج أكبر إلى الرعاية الصحية، والمساعدة في الحياة اليومية، والدعم النفسي والاجتماعي، خصوصًا لمن يعيشون بمفردهم أو يعانون أمراضًا مزمنة.
والأسرة المصرية، مهما كانت قدرتها على الاحتواء، لم تعد تعمل في الظروف نفسها التي كانت عليها قبل عقود.
أبناء يعملون لساعات طويلة، وأسر صغيرة العدد، ومسافات بعيدة، وخدمات تتحول بسرعة إلى أنظمة رقمية قد تكون سهلة للشباب لكنها ليست كذلك بالضرورة لمن تجاوزوا الستين.
لهذا، فإن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية رعاية المسن لم يعد حلًا كافيًا.
نحن بحاجة إلى منظومة.
واللافت أن هناك تحركات رسمية تسير بالفعل في هذا الاتجاه. فقد أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي استمرار تطوير منظومة رعاية كبار السن، بما يشمل الرعاية المنزلية والمساندة داخل الأسرة، والخدمات الصحية والاجتماعية والنفسية، إلى جانب التوسع في الخدمات التي تدعم استقلالية المسن ومشاركته في المجتمع. كما أعلنت الوزارة إنشاء صندوق لرعاية المسنين، والإعداد لافتتاح مستشفى الدكتورة عبلة الكحلاوي لرعاية كبار السن ومرضى ألزهايمر العام المقبل.
وهذه خطوات مهمة، لكن القضية أكبر من إنشاء مؤسسات.
نحن نحتاج إلى أن تصل الرعاية إلى بيت المسن قبل أن يصل هو إلى دار الرعاية.
نحتاج إلى توسيع خدمات الرعاية المنزلية، وتدريب مقدمي الرعاية وتأهيلهم، وهو اتجاه بدأت وزارة التضامن بالفعل في مناقشته مع مؤسسات المجتمع المدني ضمن شراكات تستهدف تدريب وتأهيل وتوظيف مقدمي الرعاية المنزلية والصحية لكبار السن.
ونحتاج أيضًا إلى زيارات منزلية منتظمة لكبار السن الذين يعيشون بمفردهم، خصوصًا الأكثر احتياجًا، مع وجود قاعدة بيانات تساعد الجهات المعنية على معرفة من يحتاج إلى تدخل عاجل بدل انتظار وصول المشكلة إلى مرحلة الأزمة.
وأرى أن الرعاية الصحية يجب ألا تبدأ عند المرض.
الفحص الدوري، ومتابعة الأمراض المزمنة، والكشف المبكر عن مشكلات الذاكرة والحركة والتغذية، كلها أمور يمكن أن تقلل من مضاعفات كثيرة وتمنح الإنسان سنوات أطول من الاستقلالية.
أما المدن والشوارع، فلها نصيب من المسؤولية أيضًا.
رصيف آمن، مقاعد في الأماكن العامة، وسائل نقل أكثر ملاءمة، إشارات واضحة، ومؤسسات تقدم خدمة يمكن الوصول إليها بسهولة؛ تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة لشخص كبير في السن قد تكون الفارق بين المشاركة في الحياة والانزواء داخل المنزل.
ثم يأتي الجانب الذي غالبًا ما ننساه:
الوحدة.
قد يكون المسن محاطًا بالأبناء والأحفاد، لكنه يشعر بأنه غير موجود.
وقد يكون احتياجه الأكبر ليس إلى دواء جديد، وإنما إلى شخص يجلس معه نصف ساعة دون أن ينظر إلى هاتفه.
وهنا يأتي دور المجتمع المدني، ومراكز المسنين، والنوادي، والأنشطة التي تسمح لهم بالبقاء جزءًا من المجتمع، لا مجرد متلقين للخدمة.
وزارة التضامن نفسها لديها بالفعل خدمات تشمل دور رعاية المسنين وأندية المسنين، وهو أساس يمكن البناء عليه وتوسيعه ليصبح أكثر انتشارًا ووصولًا إلى الفئات التي تحتاجه.
لكنني أعتقد أن هناك خطوة أهم من كل ذلك:
أن نغير نظرتنا إلى الشيخوخة.
المسن ليس «شخصًا انتهى دوره».
هو إنسان وصل إلى مرحلة جديدة من العمر، ويجب أن نحافظ على قدرته على الاختيار والعمل والمشاركة قدر الإمكان.
ومن هنا يمكن التفكير في برامج للاستفادة من خبرات كبار السن، سواء في التعليم، أو التدريب المهني، أو نقل الخبرات، أو الأنشطة المجتمعية، وفق قدرات كل شخص ورغبته.
فليس منطقيًا أن ننفق سنوات في تعليم الإنسان وخبراته، ثم نتعامل مع هذه الخبرات بعد التقاعد وكأنها أصبحت بلا قيمة.
10.2 مليون شخص اليوم.
وقد يصبح الرقم أكبر غدًا.
لذلك فإن التعامل مع الشيخوخة باعتبارها «مشكلة مستقبلية» خطأ؛ المستقبل بدأ بالفعل.
وأنا لا أريد مجتمعًا ينظر إلى المسن بعين الشفقة.
أريده مجتمعًا يمنحه الرعاية عندما يحتاجها، والاستقلال عندما يستطيع، والاحترام في كل الأحوال.
لأن المسألة في النهاية ليست كيف نرعى كبار السن فقط.
بل كيف نريد أن نُعامل نحن عندما نصل إلى أعمارهم.
فالإنسان الذي نحمي كرامته اليوم، هو صورة الإنسان الذي قد نكونه غدًا.

