منتدى العلمين أفريقيا.. مصر تبني شراكات اقتصادية مع القارة من التجارة إلى التصنيع والاستثمار

وزير الاستثمار: تدشين صندوق استثماري متخصص في أفريقيا يستهدف خفض مخاطر توسع الشركات المصرية ودعم مشروعات القطاع الخاص
مجلس الصادرات الهندسية: هدف مصر لا يقتصر على تصدير السلع ونسعى لإقامة مشروعات إنتاجية داخل أفريقيا
أستاذ اقتصاد : مصر تعيد صياغة أدوات وجودها في أفريقيا
"تصديري الكيماويات": زيادة الصادرات لأفريقيا تتطلب تطوير النقل واللوجستيات وتعميق التصنيع المحلي ورفع القيمة المضافة
تمضي مصر في تعزيز حضورها داخل القارة الأفريقية عبر مسارات متوازية تجمع بين العلاقات السياسية والتعاون الاقتصادي والتجاري وتنفيذ المشروعات التنموية، في توجه يستهدف تحويل العلاقات التاريخية مع دول القارة إلى شراكات قائمة على المصالح المشتركة.
ولم تغلق مصر باب التعاون الاقتصادي والاستثماري مع إفريقيا حيث تستضيف مدينة العلمين الجديدة الدورة الأولى من منتدى العلمين - أفريقيا لتمنح هذا التوجه منصة قارية جديدة، وتضع الاقتصاد في قلب الحضور المصري في أفريقيا ضمن رؤية القاهرة للقارة الأفريقية.
يشارك في منتدي العلمين نحو 1500 من المسؤولين وصناع القرار والمستثمرين وممثلي المؤسسات المالية وقطاع الأعمال من الدول الأفريقية، وتشارك في تنظيمه مصر وبنك التصدير والاستيراد الأفريقي «أفريكسيم بنك» ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا-نيباد»، بعد أن أقرت القمة الأفريقية في أديس أبابا في فبراير 2026 عقده كل عامين في العلمين الجديدة.
وتتزامن الدورة الأولى مع قمة الدول المؤسسة لوكالة «أودا-نيباد» والاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، بما يربط بين الحوار السياسي والأولويات الاقتصادية.
حجم التجارة مع أفريقيا
لم يعد الحضور المصري في أفريقيا قائما على العلاقات الدبلوماسية فقط، فقد أصبح الاقتصاد من أبرز أدوات القوة الناعمة، بداية من زيادة حركة التجارة والصادرات، مرورا باستثمارات الشركات المصرية، وصولا إلى تنفيذ مشروعات كبرى في الطاقة والبنية الأساسية ونقل الخبرات إلى الأسواق الأفريقية.
تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن التبادل التجاري بين مصر ودول الاتحاد الأفريقي بلغ نحو 9.6 مليار دولار خلال 2025، مقابل نحو 9.2 مليار دولار في 2023.
وسجلت الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد نحو 7.6 مليار دولار في 2025، مقابل 7.8 مليار في 2024، بينما بلغت الواردات نحو 2 مليار دولار، مقابل 2.1 مليار في العام السابق.
وتسعى الحكومة المصرية إلى زيادة حجم التجارة البينية وتعظيم استفادة الشركات المصرية من الفرص المتاحة في الأسواق الأفريقية، وتتنوع المنتجات المصرية الموجهة إلى القارة بين السلع الغذائية والمنتجات الكيماوية والأسمدة ومواد البناء والصناعات الهندسية والأدوية والمنسوجات والملابس الجاهزة، إلى جانب منتجات صناعية وزراعية أخرى.
واردات مصر من أفريقيا
على الجانب الآخر، تصدرت الكونغو الديمقراطية قائمة أكبر الدول الأفريقية المصدّرة إلى مصر في 2025 بقيمة 447.4 مليون دولار، تلتها السودان بنحو 277.2 مليون، ثم كينيا بنحو 264.1 مليون، والسنغال بنحو 163.7 مليون، وجنوب أفريقيا بنحو 147.4 مليون دولار.
وتشير خريطة التجارة إلى مساحة كبيرة لزيادة الواردات المصرية من أفريقيا، خصوصا السلع الزراعية والمواد الخام والثروات الطبيعية، بما يدعم علاقات تجارية أكثر توازنا ويتيح للشركات المصرية إقامة سلاسل إنتاج مشتركة داخل القارة.
اتفاقيات تفتح الأسواق
تستند استراتيجية مصر في تعزيز تجارتها مع أفريقيا إلى اتفاقيات وأطر تمنح منتجاتها فرصا أكبر للنفاذ، في مقدمتها اتفاقية السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا الكوميسا، إلى جانب اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية التي تستهدف زيادة التجارة البينية وإزالة الحواجز أمام السلع والخدمات.
وتتيح هذه الاتفاقيات للشركات المصرية الانتقال من التعامل مع كل دولة كسوق منفصلة إلى التعامل مع القارة كسوق واسعة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، مع اتساع قاعدة المستهلكين وزيادة الطلب على السلع والخدمات ومشروعات البنية الأساسية.
ويرى المهندس شريف الصياد رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية المصرية، أن مصر تراهن على موقعها الجغرافي الذي يربط أفريقيا بالأسواق الأوروبية والآسيوية، وعلى شبكة الموانئ وقناة السويس والطرق والمشروعات اللوجستية، إلى جانب تطوير مراكز لوجستية تسهّل وصول الشركات إلى الأسواق المختلفة.
وأضاف الصياد في تصريحات خاصة، "لا يقتصر هدف مصر على تصدير السلع، بل يمتد إلى تشجيع إقامة مشروعات إنتاجية داخل القارة للاستفادة من مزايا اتفاقية التجارة الحرة القارية والوصول إلى الأسواق المجاورة.
وأشار إلى أن مصر لديها خبرات واسعة في الطاقة والكهرباء والري والمياه والزراعة والبنية الأساسية مثل محطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا ، وتبلغ قيمة المشروع نحو 2.9 مليار دولار، ما يجعله من أكبر المشروعات التي تنفذها شركات مصرية في القارة، ونموذجا لشراكة تجمع الإرادة السياسية والخبرة الهندسية والقدرة التنفيذية.
وأضاف رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، أن محطة جوليوس نيريري تشمل نقل التكنولوجيا والخبرات، بتوفير فرص تدريب للكوادر التنزانية في مراكز التدريب التابعة لوزارة الكهرباء المصرية، موضحا "تعكس هذه المشروعات مفهوما أوسع للقوة الناعمة، فالدور المصري يتحول إلى شراكة في تنفيذ مشروعات استراتيجية في قطاعات حيوية.
أصبحت الشركات المصرية من أهم عناصر الحضور الاقتصادي في القارة، خاصة في المقاولات والطاقة والكهرباء والاتصالات والخدمات المالية والزراعة والصناعات المختلفة، وتبرز «المقاولون العرب» بتاريخها الطويل في العمل الأفريقي، بينما يعد تحالفها مع «السويدي إليكتريك» في مشروع جوليوس نيريري دليلا على قدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات ضخمة خارج الحدود، مستفيدة من الخبرات التي راكمتها في السوق المحلية والمشروعات القومية.
وتسعى الدولة إلى دعم انتقال الشركات من مرحلة تصدير المنتجات إلى الاستثمار المباشر داخل الدول الأفريقية، عبر إقامة مصانع ومراكز توزيع وشركات مشتركة، بما يزيد القيمة المضافة ويعزز استدامة الوجود المصري. وهنا يظهر التحول الأهم، فلم تعد أفريقيا مجرد سوق لتصريف المنتجات، بل ساحة للاستثمار والإنتاج والتصنيع والتوزيع.
استثمارات مصرية في إفريقيا
وبحسب بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، تبلغ الاستثمارات المصرية في أفريقيا نحو 12 مليار دولار، في وقت تجاوز فيه حجم التبادل التجاري بين مصر ودول القارة 10 مليارات دولار.
وتتوزع هذه الاستثمارات على الطاقة والكهرباء والإنشاءات والاتصالات والخدمات المالية والزراعة والصناعات الغذائية.
وتكتسب الزراعة والأمن الغذائي أهمية خاصة في المرحلة المقبلة، إذ تمتلك دول أفريقية عديدة موارد طبيعية وأراضي زراعية واسعة، بينما تملك مصر خبرات في الزراعة والري والتصنيع الغذائي وسلاسل الإمداد.
وتدرس الحكومة إنشاء كيان استثماري متخصص للسوق الأفريقي لدعم المستثمرين وتوسيع الأعمال في القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها الأمن الغذائي والقطاعات الإنتاجية.
صندوق استثماري مصري لأفريقيا
وفي أحدث التحركات، تعمل الحكومة على تدشين صندوق استثماري متخصص في أفريقيا عبر صندوق مصر السيادي، بحسب وزير الاستثمار والتجارة الخارجية الدكتور محمد فريد.
ويستهدف الصندوق خفض مخاطر توسع الشركات المصرية في الأسواق الأفريقية، ودعم مشروعات القطاع الخاص التي تجمع بين الجدوى الاقتصادية والأثر التنموي، بما يحول الفرص إلى مشروعات فعلية.
وتبرز أهمية الخطوة في ظل التحديات التي تواجه الشركات عند دخول أسواق جديدة، وفي مقدمتها مخاطر التمويل والعملات واللوجستيات واختلاف التشريعات والبيئة الاستثمارية.
كما تستهدف التحركات الحكومية دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة بحلول تمويلية وضمانات تساعدها على النفاذ إلى الأسواق الأفريقية، بما يوسع قاعدة الشركات المصرية في القارة ولا يقصر النشاط على الكبرى منها.
وقالت الدكتورة منى وهبة أستاذة الاقتصاد، أن مصر تعيد صياغة أدوات وجودها في أفريقيا، بحيث تتكامل السياسة مع الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتنمية، فوجود شركة مصرية تنفذ مشروعا للطاقة، أو مصنع مصري داخل دولة أفريقية، أو منتج مصري يصل إلى المستهلك الأفريقي، أو خبراء مصريون يدربون الكوادر المحلية، جميعها أدوات تصنع شبكة مصالح مباشرة بين مصر ودول القارة.
وبشأن ما تمتلكه مصر من مميزات، قالت "وهبة"، أن مصر لديها مزايا تؤهلها لتعظيم حضورها، من موقعها الجغرافي الذي يربط أفريقيا بالأسواق الأوروبية والآسيوية، إلى قناة السويس والموانئ، وصولا إلى قاعدة صناعية وشركات ذات خبرة في تنفيذ المشروعات الكبرى.
ويتطلب تعظيم الاستفادة من السوق الأفريقي مواصلة تطوير النقل واللوجستيات، وزيادة تمويل الصادرات، وتوفير ضمانات للمستثمرين، وتشجيع المشروعات المشتركة، وتعزيز وجود المراكز التجارية واللوجستية المصرية في الأسواق ذات الأولوية بحسب منى وهبة.
وأشارت إلى أن حجم التجارة الحالي لا يزال محدودا مقارنة بحجم السوق الأفريقي، بينما تمثل اتفاقية التجارة الحرة القارية فرصة للوصول إلى قاعدة أكبر من المستهلكين، لتتحول أفريقيا بالنسبة لمصر من امتداد جغرافي وعلاقات تاريخية إلى مساحة اقتصادية واسعة للتجارة والاستثمار والتصنيع والبنية الأساسية.
استراتيجية خاصة بأفريقيا
تنفذ وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية حزمة إجراءات لزيادة الصادرات إلى القارة، تشمل تكثيف البعثات التجارية، وتنظيم المعارض المتخصصة، وتفعيل دور المكاتب التجارية المصرية بالخارج، وتقديم خدمات معلوماتية للمصدرين عن احتياجات الأسواق الأفريقية. كما تركز على جذب استثمارات أفريقية مشتركة، وتشجيع الشركات على إقامة مراكز توزيع ومخازن لوجستية داخل القارة، بما يختصر زمن الشحن ويخفض تكلفة وصول المنتج المصري إلى المستهلك الأفريقي.
ويرى خالد أبو المكارم رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية، أن نجاح خطة مضاعفة الصادرات إلى أفريقيا يرتبط بتطوير خطوط النقل البحري والبري، وزيادة الرحلات المباشرة، وإنشاء مراكز لوجستية ومناطق تخزين في عدد من الدول الأفريقية، مع التوسع في خدمات التأمين والتمويل وضمان مخاطر التصدير، بما يقلل تكلفة الشحن ويرفع تنافسية المنتج المصري.
وأكد أن زيادة الصادرات لن تتحقق بفتح الأسواق وحده، بل بتعميق التصنيع المحلي ورفع نسبة المكون المحلي وزيادة القيمة المضافة وتشجيع الصناعات التصديرية، وهو ما يوفر العملة الأجنبية ويخلق فرص عمل جديدة، ويعزز مكانة مصر مركزا صناعيا وتجاريا رئيسيا يخدم الأسواق الأفريقية.

