بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

بوابة الدولة الإخبارية تحاور إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة.. حول أسرار المنهج النبوي في اكتشاف المواهب وصناعة القادة

امام مسجد السيدة نفيسة  ومحمود شاكر
 محمود شاكر -

كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم اكتشاف مواهب الصحابة وصناعة قادة حملوا رسالة الإسلام إلى العالم؟ وما الأسرار التربوية في السيرة النبوية التي سبقت بأكثر من 14 قرنا العديد من أساليب التعليم الحديثة؟ ولماذا تحظى السيدة نفيسة رضي الله عنها بمكانة خاصة في قلوب المصريين والمسلمين؟ أسئلة مهمة يجيب عنها الدكتور علي الله الجمال، إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة، في حوار خاص مع بوابة الدولة الإخبارية، يكشف خلاله ملامح المنهج النبوي في اكتشاف الموهوبين ورعاية المبدعين، وأهمية مراعاة الفروق الفردية في التربية والتعليم، كما يوضح حقيقة الدعاء عند المساجد والمقامات، مؤكدا أن الدعاء عبادة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى.

أكد الدكتور علي الله الجمال، إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة، أن السيرة النبوية الشريفة تقدم نموذجا متكاملا في اكتشاف المواهب ورعاية المبدعين والمبتكرين وإعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية، من خلال أساليب تربوية وتعليمية متنوعة تراعي الفروق الفردية بين الأشخاص، وتعمل على استثمار قدراتهم وإمكاناتهم في خدمة المجتمع والأمة.

وأوضح الجمال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر دوره على تعليم الصحابة أمور الدين، وإنما حرص أيضا على اكتشاف مواهبهم والتعرف على جوانب التميز لدى كل منهم، بما يسهم في توظيف قدراتهم في المجالات التي تناسب إمكاناتهم، مستشهدا بنماذج بارزة من الصحابة، من بينهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح، الذين تميز كل منهم بصفات وقدرات أسهمت في خدمة الإسلام.

وأشار إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة إلى أن المنهج النبوي في التعليم تضمن العديد من الأساليب التي لا تزال تمثل نموذجا تربويا مهما، من بينها الحوار والعصف الذهني، والاستعانة بالقصة وضرب المثل، وتكرار المعلومة لترسيخها في الأذهان، مؤكدا أهمية الاستفادة من هذه الأساليب في تربية الأجيال الجديدة واكتشاف الموهوبين والمبدعين، وإعداد القادة القادرين على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات.

واستشهد الجمال بحديث النخلة، عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن شجرة لا يسقط ورقها وتشبه المؤمن، في موقف تربوي يعكس أهمية طرح الأسئلة وتحفيز التفكير وتشجيع المتعلمين على البحث عن الإجابة، وهو ما يتفق مع أساليب العصف الذهني التي تستهدف تنمية التفكير وإبراز القدرات العقلية.

كما أشار إلى استخدام النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب ضرب المثل لتقريب المعاني وترسيخ القيم، مستشهدا بقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد»، موضحا أن هذا الأسلوب يسهم في تبسيط المفاهيم وتعميق أثرها في النفوس، ويجعل المعاني التربوية أكثر وضوحا وقربا من المتلقين.

وتناول إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة نموذج الشاعر حسان بن ثابت رضي الله عنه، الذي برزت موهبته الشعرية في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، مشيرا إلى أن رعاية النبي لهذه الموهبة تعكس أهمية توجيه الإبداع واستثماره في خدمة الدين والدفاع عن الحق والقيم والمبادئ.

وأضاف أن التكرار كان من الوسائل التعليمية التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم لترسيخ المعاني المهمة، مستشهدا بتكراره التحذير من شهادة الزور وقول الزور، بما يؤكد أهمية التنبيه إلى خطورة بعض السلوكيات وتثبيت الرسائل الأساسية في أذهان المتعلمين، لافتا إلى أن تنوع أساليب التعليم يسهم في وصول الرسالة إلى مختلف الفئات بصورة أكثر تأثيرا وفاعلية.

وشدد الجمال على أن مراعاة الفروق الفردية تمثل أحد أبرز ملامح المنهج النبوي في التربية والتعليم، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه إجاباته ونصائحه بما يتناسب مع أحوال السائلين واحتياجاتهم، وهو ما يظهر في تعدد الوصايا النبوية لمن سألوه عن الأعمال التي تقربهم من الجنة.

وأوضح أن من هذه الوصايا قوله صلى الله عليه وسلم لأحد السائلين: «لا تغضب»، وفي مواقف أخرى التأكيد على الصلاة في وقتها وبر الوالدين، والإيمان بالله ورسوله، وعبادة الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بما يعكس أهمية توجيه النصيحة بما يناسب حال كل شخص وظروفه واحتياجاته، مؤكدا أن هذا النهج يقدم درسا مهما للمربين والمعلمين في كيفية التعامل مع الأفراد واكتشاف قدراتهم وتنمية مهاراتهم.

السيدة نفيسة.. سيرة من الصلاح والعبادة والزهد

وفي سياق آخر، أكد الدكتور علي الله الجمال أن السيدة نفيسة رضي الله عنها، حفيدة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ومن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، عرفت بالصلاح والعبادة والزهد، وحظيت بمكانة كبيرة في قلوب المسلمين عبر التاريخ، لما اشتهرت به من تقوى وورع وعلم، وهو ما جعل سيرتها ومناقبها موضع تقدير لدى العلماء ومحبي آل بيت النبي.

وأشار إلى أن الإمام الذهبي أثنى عليها في كتابه «سير أعلام النبلاء»، وذكر مناقبها وما عرفت به من العبادة والصلاح، لافتا إلى أن الناس كانوا يقصدونها في حياتها لما عرفوه عنها من تقوى ورغبة في الدعاء، وهو ما يعكس مكانتها الروحية والعلمية في الوجدان الإسلامي.

الدعاء لله وحده.. وحقيقة التوجه إلى الله في المساجد والمقامات

وشدد إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة على أن الدعاء عبادة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، وأن المسلم حين يتوجه بالدعاء داخل مسجد السيدة نفيسة أو بالقرب من مقامها، فإنما يسأل الله وحده، راجيا رحمته وفضله، مع تحري الأماكن التي يرجى فيها قبول الدعاء، دون اعتقاد أن أحدا من الصالحين يملك لنفسه أو لغيره نفعا أو ضرا.

وأوضح الجمال أن وجود المسلم في مكان له مكانة دينية أو تاريخية يأتي في إطار تحري المواطن التي يرجى فيها قبول الدعاء، مع إخلاص التوجه إلى الله عز وجل، مشيرا إلى أن ذلك لا يعني توجيه الدعاء إلى أصحاب المقامات أو الاعتقاد في قدرتهم على قضاء الحاجات، فالله سبحانه وتعالى وحده هو القادر على النفع والضر، وهو الذي بيده إجابة الدعاء.

وأكد أن النفع والضر بيد الله وحده، وأن تعظيم الصالحين يكون بمعرفة فضلهم والاقتداء بسيرتهم في العبادة والطاعة، مع إخلاص التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، بما يحفظ للعبادة مقصدها الصحيح ويعزز الوعي الديني القائم على التوحيد.

واختتم الدكتور علي الله الجمال حديثه بالتأكيد على أهمية استلهام الدروس من السيرة النبوية في بناء الإنسان، ورعاية المواهب، وتنمية الإبداع، وترسيخ القيم الأخلاقية، إلى جانب تصحيح المفاهيم الدينية وتعزيز الفهم الصحيح لمعاني العبادة والدعاء، بما يسهم في بناء مجتمع واع يتمسك بتعاليم الدين السمحة ويستفيد من طاقات أبنائه وقدراتهم.