بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب: رحل حكّاء النجوم هشام يحيى .. ستظل أكبر من لقب وأبقى من حكاية

هشام يحيى وزملائة بالحقيقة
-

هناك أشخاص لا تستطيع أن تكتب عنهم بمداد الصحافة وحده، لأنهم يسكنون أعماق الذاكرة، ويتركون في القلب حكايات لا تمحوها السنوات، وهشام يحيى واحد من هؤلاء الذين لا يمكن أن تختصر سيرتهم في أسماء الصحف التي عملوا بها، أو البرامج التي أعدوها، أو الألقاب التي عرفهم بها الناس.

أنا هنا لا أكتب عن زميل قرأت سيرته، ولا عن صحفي سمعت أخباره من الآخرين، وإنما أكتب عن صديق عشت معه سنوات من العمر، وتقاسمت معه اللقمة، ومشقة الطريق، وأحلام البدايات، وخرجت معه إلى المسارح ودور السينما بحثًا عن خبر يستحق النشر.

أكتب عن هشام الذي عرفته في جريدة «الحقيقة»، تحت رئاسة تحرير الأستاذ محمد عامر، وعن الأيام التي جمعتنا في شبرا، وعن المشاوير الطويلة التي كنا نقطعها أحيانًا سيرًا على الأقدام، وعن فنجان القهوة في كافتيريا محطة مصر، وعن صحفي امتلك ذاكرة فنية واسعة، وعرف كيف يحول الحكاية إلى متعة، والخبر إلى شهادة من قلب الوسط الفني.

جريدة الحقيقة.. بيت الصحفيين وذكريات لا تُنسى

كلما استعدت مشوار هشام يحيى، وجدتني أعود إلى جريدة «الحقيقة»، تلك المحطة التي ارتبطت بمرحلة مهمة من حياتنا، وبزمن كانت فيه الصحافة مهنة تحتاج إلى الصبر والجهد والوجود الدائم في قلب الحدث.

أتذكر الأستاذ محمد عامر، رئيس تحرير الجريدة، وأتذكر الأجواء التي جمعتنا بزملاء المهنة، حين لم تكن العلاقة بين الصحفيين مجرد ساعات عمل تنتهي بمغادرة المكاتب، بل كانت صداقة حقيقية، ومودة، ووفاء، وذكريات صنعتها الأيام.

أتذكر كم كانت تجمعنا صداقات تعلو فيها المحبة والوفاء داخل جريدة «الحقيقة»، وكم كانت هذه العلاقات الإنسانية جزءًا من جمال تلك المرحلة. لم تكن المنافسة المهنية تمنع الود، ولم تكن مشقة العمل تحول دون أن نجد وقتًا للضحك والحديث وتبادل الخبرات والحكايات.

أتذكر الأستاذة نور الصباح علي، ونجوى طنطاوي، وإسلام عفيفي، ومحمد محفوظ وعزت سلامة، وصبحي جبريل، وفيصل الليثي، ومحمد عبد العزيز، وحنفي مهران، وأحمد عبد الله، ومحمد سعد، وممدوح الصغير وعبد الناصر محمد واحمد عبد الخاق  ومحمد حلمى واحمد ابوزيد ومصطفى جويلى وغيرهم من الزملاء الذين ارتبطت أسماؤهم بذاكرتي عن تلك الأيام.

كل اسم من هؤلاء يعيد إلى الذاكرة مشهدًا من زمن الصحافة، حين كانت العلاقات الإنسانية تمنح المهنة روحها، وحين كان الزميل صديقًا، والصديق سندًا، وكانت التفاصيل الصغيرة تصنع ذكريات تظل حاضرة مهما تغيرت الأحوال.

ولذلك، فإن الحديث عن هشام لا ينفصل عن الحديث عن «الحقيقة» وأهلها؛ فهذه الجريدة لم تكن مجرد مكان للعمل، بل كانت إحدى المحطات التي صنعت جانبًا من شخصياتنا وتجاربنا، وتركت في نفوسنا رصيدًا من العشرة والوفاء.

 شقة العائلة في شبرا.. كنا نتقاسم اللقمة والحلم

لا يمكنني أن أكتب عن هشام يحيى من دون أن أتذكر شقة العائلة في شبرا، عند محطة شوكولانو، في العمارة التي كانت أسفلها معارض الشريف.

هناك عشنا أيامًا لا تُنسى، أيام البدايات التي لم نكن نملك فيها الكثير من المال، لكننا كنا نملك طموحًا كبيرًا، وإيمانًا بأن الصحافة تستحق أن نبذل من أجلها الجهد والوقت.

كنا نتقاسم اللقمة، ونتبادل الأحاديث، ونحلم بما يمكن أن تحمله لنا الأيام المقبلة. لم تكن الصداقة بالنسبة إلينا كلمات جميلة تقال في المناسبات، بل كانت مواقف يومية، ووقوفًا إلى جوار بعضنا، وقدرة على مواجهة الظروف مهما كانت صعبة.

كان هشام يحيى بالنسبة إليّ أكثر من زميل؛ كان رفيق مرحلة كاملة من العمر، وشاهدًا على أيام عشناها ببساطة، لكنها بقيت في ذاكرتي من أغلى ما أملك.

واليوم، حين أستعيد تلك التفاصيل، أدرك أن قيمة الأيام لا تُقاس بما نملكه فيها، وإنما بمن يشاركوننا الطريق. قد ينسى الإنسان تفاصيل كثيرة من حياته، لكنه لا ينسى من تقاسم معه لقمة العيش، ومن وقف بجواره حين كانت الإمكانات محدودة والأحلام كبيرة.

من الهرم والجيزة إلى شبرا.. مشاوير لا تمحوها السنوات

ومن أكثر الذكريات التي لا تغيب عن بالي تلك المرات التي كنا نخرج فيها من المسارح بعد انتهاء العروض، لنكتشف أن جيوبنا خاوية، وأننا لا نملك ما يكفي للعودة إلى البيت.

لم يكن أمامنا أحيانًا سوى أن نسير على أقدامنا من الهرم أو الجيزة حتى شبرا، في طريق طويل، نقطع مسافاته ونحن نتحدث عن الفن والصحافة وما شاهدناه على خشبة المسرح.

كان المشهد يحمل مفارقة لا أنساها؛ نخرج من عالم الأضواء والتصفيق، ونغادر المسارح التي يقف عليها النجوم، ثم نواجه واقعنا البسيط، ونبدأ رحلة العودة سيراً على الأقدام.

ومع ذلك، لم تكن هذه المشاوير تخلو من الضحك والأحاديث، كنا نتحدث عن الفنانين، وعن الأخبار التي نريد نشرها، وعن تفاصيل العروض، وكأن التعب لا يستطيع أن ينتزع منا شغفنا بالمهنة.

لم نكن نعرف وقتها أن هذه المسافات الطويلة ستصبح يومًا ذكريات نتمنى لو عادت. لم نكن نتصور أن مشوارًا مشيناه في ليلة عادية سيصبح بعد سنوات حكاية أستعيدها وأنا أكتب عن صديق العمر.

يا لها من أيام! كانت جيوبنا خاوية أحيانًا، لكن قلوبنا كانت عامرة بالأحلام، وكانت الصداقة تمنحنا القدرة على مواصلة الطريق.

 كافتيريا محطة مصر.. فنجان قهوة بطعم العشرة

وكانت كافتيريا محطة مصر من الأماكن التي أحببنا الجلوس فيها، نستمتع بفنجان القهوة ونتبادل الحديث بعيدًا عن ضغوط العمل.

هناك كانت تدور أحاديث كثيرة عن الفن والصحافة والنجوم، وعن الأخبار التي نتابعها، والفرص التي ننتظرها، والمستقبل الذي نحلم به.

لم تكن القهوة مجرد مشروب، بل كانت جزءًا من طقوس الصداقة، وفسحة صغيرة بين مشوار وآخر، وقد تبدو هذه التفاصيل عادية لمن يقرأها، لكنها بالنسبة إلى من عاشها تحمل معنى مختلفًا؛ لأنها تعيد إليه زمنًا كاملًا، وأشخاصًا ارتبطوا بأجمل مراحل العمر.

هشام يحيى.. ذاكرة فنية تحمل أسرار النجوم

 هشام يحيى، لم يكن مجرد صحفي فني يطارد أخبار الفنانين، بل كان حكّاءً يمتلك ذاكرة واسعة، وشغفًا بالتفاصيل، وقدرة على استحضار حكايات من تاريخ الفن المصري.

كان يعرف الكثير عن كبار الفنانين، من عبد الحليم حافظ، العندليب الأسمر، إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب، ومن شادية وفاتن حمامة ومحمد عوض واسرتة الفنية إلى سمير صبري، وحسين فهمي ويحيى الفخراني ونيللي ومجدي وهبة وغيرهم من نجوم السينما والغناء والمسرح.

لم يكن الفن عند هشام مجرد صور وأسماء وأعمال تُعرض على الشاشات، وإنما كان عالمًا متكاملًا من الشخصيات والتجارب والكواليس. كان شغوفًا بمعرفة ما وراء العمل الفني، وكيف تُصنع النجاحات، وما الذي يبقى في ذاكرة الفنان بعد انطفاء الأضواء.

ولأنني عرفته عن قرب، فقد كنت أرى فيه قدرة على الحكي تجعل الحديث معه عن الفن رحلة بين الأجيال، ينتقل بك من زمن إلى آخر، ويستحضر أسماء ومواقف، ويمنح التفاصيل الصغيرة مساحة تستحقها.

أتذكر حديثة معى بان قيمة الصحفي الفني ليست في عدد الأخبار التي ينشرها فقط، وإنما في قدرته على فهم الوسط الذي يعمل فيه، وعلى حفظ ذاكرته، وتقديم الحكايات للقارئ بصورة تجعله أقرب إلى الشخصيات والأحداث.

وهشام يحيى  كان يمتلك هذا الشغف، ولذلك أرى أن تجربته تستحق أن تُجمع وتُوثق، حتى لا تضيع حكاياته مع مرور الزمن.

 من أحمد عبد الله «ميكي ماوس» إلى هشام يحيى.. مدرسة الحكي الفني

لا يمكن الحديث عن الحكي التلفزيوني عن الفنانين وكواليسهم من دون أن أتذكر أحمد عبد الله، المعروف بلقب «ميكي ماوس»، الذي كان من الرواد في تقديم هذا اللون من البرامج والحكايات الفنية.

كان أحمد عبد الله يقدم للجمهور حكايات عن الفنانين، ويتناول جوانب خفية من حياتهم وتجاربهم، فاتحًا نافذة على عالم لا يعرف المشاهد منه إلا ما يظهر على الشاشة.

ثم جاء هشام يحيى، بما امتلكه من خبرة صحفية ومعرفة فنية وذاكرة ثرية، ليواصل هذا اللون من الحكي، مستفيداً من سنوات المتابعة والكتابة والاحتكاك بعالم الفن.

وفي تقديري، كان هشام يحيى من أصحاب القدرة على حمل الحكاية الفنية من صفحات الصحف إلى مساحة أوسع من التواصل مع الجمهور؛ لأنه لم يكن يرى في الخبر نهاية الطريق، بل بداية لقصة تستحق أن تُروى.

وهذه هي النقطة التي أريد للقارئ أن يفهمها هشام يحيى  لم يكن مجرد صحفي يكتب عن النجوم، بل كان صاحب تجربة في الحكي الفني تستحق أن تُحفظ باعتبارها جزءًا من ذاكرة الصحافة والإعلام المصري.

 من جريدة الحقيقة إلى القنوات الفضائية والإمارات

واصل هشام مشواره في الصحافة، وعمل في «الحقيقة»" و"الاحرار"   و«الوفد» و«أخبار النجوم»، وخاض تجارب مهنية أخرى، ثم سافر لسنوات إلى الإمارات.

وامتدت تجربته إلى العمل التلفزيوني، إذ عمل في إعداد البرامج بقنوات راديو وتلفزيون العرب ART، وشارك الكاتب الراحل لويس جريس في إعداد برامج، من بينها «سهراية».

كما تنوعت اهتماماته بين الصحافة والكتابة الأدبية والسينمائية، وهو ما يعكس شخصية لم تكتفِ بمسار واحد، وإنما ظلت تبحث عن مساحات جديدة للتعبير عن موهبتها وخبرتها.

أما أنا، فقد انتقلت من «الحقيقة» إلى جريدة «الأحرار»، لكن ذكريات البدايات ظلت تجمعني بصديقى هشام يحيى ، مهما فرقت بيننا أماكن العمل والسفر وتغيرات الحياة.

«هشام بتاع الجبنة».. لقب لا يختصر تاريخ صحفي

في سنواته الأخيرة، عرف كثيرون هشام يحيى من خلال عمله في بيع الجبنة الملوي ومنتجات الطعام، وأصبح لقب «هشام بتاع الجبنة» هو الأكثر تداولًا عنه لدى بعض الناس، لكن هذا اللقب، مهما انتشر، لا يمكن أن يختصر تاريخه أو يمحو سنوات عمله الصحفي والإعلامي.

فالعمل الشريف لا ينتقص من كرامة صاحبه، ومن حق كل إنسان أن يسعى إلى رزقه بالطريقة التي يستطيعها، لكن ما يستحق التوقف أمامه هو السؤال عن واقع المهنة الذي قد يدفع أصحاب الخبرة إلى البحث عن أبواب أخرى للعيش، بعد سنوات طويلة من العطاء.

إن هشام يحيى الذي عمل في الصحافة، وعرف الوسط الفني، وأعد البرامج، وكتب في مجالات متعددة، هو نفسه الإنسان الذي سعى إلى رزقه بيده.

ولا ينبغي أن يكون لقبه الأخير سببًا لنسيان تاريخه، بل يجب أن يكون مدخلًا إلى التعرف على حكايته كاملة، بما فيها من نجاحات وتحديات وأيام صعبة.

 هشام.. ستظل حكايتك جزءًا من عمري

يا صديقي هشام، حين أكتب عنك، لا أستعيد سيرة صحفي فحسب، بل أستعيد جزءًا من عمري،أتذكر شقة العائلة في شبرا، واللقمة التي تقاسمناها، ومشاوير الهرم والجيزة إلى شبرا، والقهوة في محطة مصر، وليالي المسرح والسينما، وأيام «الحقيقة» التي جمعتنا بالأستاذ محمد عامر وزملائنا الذين تركوا في الذاكرة أثرا لا يُمحى.

أتذكر هشام يحيى الذي عرفته صديقًا وزميلًا، وعرفته شغوفًا بالفن، واسع المعرفة بحكاياته، قادرًا على استحضار تفاصيله، وأتذكر أن وراء كل لقب حكاية، ووراء كل إنسان تاريخًا لا يجوز اختصاره في مرحلة واحدة من حياته.

إن الوفاء الحقيقي لـ هشام  يحيى لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بجمع كتاباته، وتوثيق ذكرياته، وحفظ ما لديه من شهادات عن الفن والصحافة، حتى يعرف الجيل الجديد أن وراء الاسم الذي عرفه الناس صحفيًا وكاتبًا وصاحب تجربة تستحق أن تُروى.

رحم الله هشام يحيى، وغفر له، وجعل ما قدمه من عمل وإبداع في ميزان حسناته، رحلت يا هشام، لكنك ستظل في ذاكرتي الصديق الذي تقاسمت معه اللقمة والطريق والحلم؛ وستظل حكايتك أكبر من أي لقب، وأبقى من كل عنوان.*