محمد طرابيه يكتب : رفقاً بالأطفال.. فهم ليسوا موظفين!

لم أجد عنوانا أصدق من الجملة التي ختمت بها النائبة المحترمة إيرين سعيد طلب إحاطتها الأخير لوزير التربية والتعليم ووزير الصحة: "رفقا بالأطفال فهم ليسوا بموظفين".
جملة تلخص مأساة حقيقية تعيشها آلاف الأسر المصرية هذه الأيام، مع بداية موسم انتشار الفيروسات التنفسية، حيث فوجئنا بقرار متشدد يقضي بعدم قبول الإجازات المرضية للطلاب إلا من التأمين الصحي فقط وبختم ثلاثي.
أنا هنا لا أدافع عن التسيب، ولا أبرر تزوير الإجازات المرضية، وأتفق تماما مع وزارة التربية والتعليم في هدفها النبيل وهو تحقيق الانضباط داخل المدارس، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يكون الانضباط على حساب صحة طفل صغير؟ .
لقد تقدمت النائبة إيرين سعيد بطلب إحاطة في غاية الأهمية، وضعت فيه يدها على جوهر الأزمة، وهي أن هذا القرار خلق فجوة واسعة بين النظرية والتطبيق. فمن الناحية النظرية تريد الوزارة ضبط الغياب، ومن الناحية العملية ألقت بآلاف الأطفال المرضى في أتون عيادات التأمين الصحي المكدسة التي تعاني أصلا من نقص شديد في الأطباء.
تخيلوا معي المشهد.. طفل صغير حرارته 39 درجة، يعاني من ترجيع وإسهال، بدلا من أن يخلد للراحة في فراشه، يضطر ولي أمره لأخذ إجازة من عمله، ويجره جرا في الصباح الباكر ليقف في طابور طويل داخل التأمين الصحي، وينتظر بالساعات لمجرد الحصول على ورقة تثبت أنه مريض! بل إن حجز الكشف أصبح إلكترونيا، وقد يأتي موعد الحجز بعد أن يكون الطفل قد شفي تماما.
أليس هذا عبثا؟ أليس من الممكن أن يلتقط هذا الطفل المريض عدوى أخطر من زحام التأمين الصحي نفسه؟ وماذا عن أطفال القرى والمناطق النائية؟ وماذا عن الأسرة البسيطة التي لا تستطيع أن تترك عملها يوما كاملا؟ .
إن الدستور المصري في مادته 80 كان واضحا وحاسما بأن المصلحة الفضلى للطفل هي المعيار الحاكم في أي قانون أو قرار، وكذلك حقه في الصحة والتعليم. فأين هي المصلحة في قرار يجبر الطفل على قضاء يوم مرضه في المستشفى بدلا من الراحة؟.
هذا القرار، كما حذرت النائبة، سيؤدي لنتائج عكسية تماما، فبدلا من منع التزوير، سيخلق سوقا سوداء لبيع الشهادات المرضية، وبدلا من الانضباط، سيساهم في انتشار العدوى داخل الفصول المكدسة لأن الطفل سيذهب مريضا خوفا من العقاب.
لذلك، فإن الحلول التي طرحتها النائبة إيرين سعيد في طلب إحاطتها تبدو منطقية وعملية وتحقق الهدفين معا: الانضباط والرحمة.
لماذا لا نعود لتفعيل دور طبيب الصحة المدرسية كجهة اعتماد أولية داخل المدرسة؟ ولماذا لا نتوسع في منح التراخيص لجهات طبية مختلفة لمنح الإجازات قصيرة الأجل مع التحقق الإلكتروني؟ ولماذا لا نضع استثناءات واضحة وصريحة للأمراض الطارئة والمزمنة وذوي الإعاقة؟
نحن بحاجة إلى ربط إلكتروني حقيقي بين المدارس والتأمين الصحي، ومهلة معقولة لتقديم العذر بعد الشفاء، لا أن نعاقب الطفل المريض وكأنه موظف متمارض.
يا سادة.. التعليم ترغيب لا ترهيب، وإذا كان غياب الجانب الترفيهي والثقافي وكثرة التقييمات قد خلق بالفعل حاجزا نفسيا لدى أطفالنا من الذهاب للمدرسة، فلا داعي أن نزيد هذا الحاجز بقرارات إدارية مرهقة.
أتمنى من وزيري التربية والتعليم والصحة أن يستمعا لصوت العقل الذي عبرت عنه النائبة إيرين سعيد، وأن يعيدا النظر في هذا القرار رأفة بأطفالنا.

