بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

كتبت إيمي سراج الدين.. الطلاق المسيحي على طاولة البرلمان.. الهجر والزنا والإلحاد والميراث في مشروع قانون يغير قواعد اللعبة

إيمي حمدي سراج الدين
-

بعد سنوات طويلة من الجدل والانتظار، دخل ملف الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين مرحلة جديدة، مع إحالة مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين إلى مجلس النواب، بعد موافقة مجلس الوزراء عليه في أبريل الماضي، ليصبح واحدًا من أبرز الملفات التشريعية التي تمس الأسرة والعلاقة الزوجية وحقوق المرأة والأبناء والميراث.

المشروع الجديد لا يأتي باعتباره مجرد تعديل لبعض مواد الطلاق، وإنما محاولة لوضع إطار تشريعي متكامل ينظم الخطبة والزواج وبطلان الزواج والتطليق والانحلال المدني والحضانة والرؤية والنسب والولاية التعليمية والمواريث، في قانون يضم 160 مادة موضوعية، مع مراعاة الخصوصية العقائدية لكل طائفة.

واللافت أن المشروع جاء بعد 35 اجتماعًا للجنة القانونية المختصة، وبمشاركة ممثلين عن الطوائف المسيحية، في محاولة للوصول إلى صيغة توافقية تجمع بين النص القانوني والخصوصية الدينية. ويخاطب المشروع ست طوائف هي: الأقباط الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس، والروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والإنجيليون، والكاثوليك.

من «الهجر» إلى نهاية الزواج

أحد أكثر الملفات إثارة للاهتمام هو التعامل مع الانفصال الطويل بين الزوجين.

فالمشروع يضع حالات للانحلال المدني، ومن بينها افتراق الزوجين لمدة ثلاث سنوات متصلة مع استحالة استمرار الحياة الزوجية، وهي نقطة أثارت نقاشًا واسعًا حول الفرق بين «الهجر» باعتباره واقعة تحتاج إلى إثبات، وبين مجرد مرور السنوات باعتباره سببًا تلقائيًا لإنهاء الزواج.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية القانون في وضع ضوابط واضحة تمنع تحول الانفصال الطويل إلى وسيلة سهلة لإنهاء الزواج دون التحقق من حقيقة العلاقة واستحالة استمرارها.

الزنا.. لم يعد مجرد واقعة خلف الأبواب

المشروع يعيد تنظيم أسباب التطليق، ومن بينها الزنا، مع توسيع نطاق الأدلة والقرائن التي يمكن أن تكشف عن العلاقة غير المشروعة.

وتشمل النصوص حالات يُستدل منها على الزنا، مثل الهروب مع شخص من غير المحارم والمبيت معه أو التحريض على الزنا أو الفجور، وهو ما يعني أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بضبط الفعل في صورته التقليدية، وإنما بما يمكن أن يكشف عنه من قرائن وسلوكيات.

أما الحديث عن «الشات والفيديوهات والمراسلات» باعتبارها سببًا مستقلاً باسم «الزنا الحكمي»، فيحتاج إلى صياغة دقيقة؛ فالمشروع المنشور لا يستخدم مصطلح «الزنا الحكمي» باعتباره عنوانًا مستقلاً، وإنما يتحدث عن الزنا وما في حكمه والقرائن الدالة عليه.

الغش في الزواج.. عندما تصبح الحقيقة المخفية سببًا للبطلان

ومن الملفات اللافتة أيضًا توسيع تنظيم بطلان الزواج بسبب الغش في البيانات الجوهرية.

فالمشروع يتعامل مع إخفاء معلومات جوهرية أو مؤثرة باعتباره من المسائل التي يمكن أن تؤثر في صحة الزواج، مع وضع ضوابط زمنية وإجرائية لممارسة هذا الحق.

وهنا يطرح القانون سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن يبنى الزواج على معلومة جوهرية تم إخفاؤها عن أحد الطرفين ثم يُطلب من الطرف المخدوع أن يتحمل نتائج هذا التدليس طوال حياته؟

المشروع يحاول أن يجيب عن هذا السؤال من خلال تنظيم قانوني أكثر وضوحًا.

الإلحاد وتغيير الدين.. بين العقيدة والقانون

من أكثر الملفات حساسية كذلك الحالات المرتبطة بترك الدين المسيحي أو الإلحاد، وهي من الحالات التي ينظم المشروع آثارها ضمن أبواب انتهاء وانحلال الزواج.

وفي الوقت نفسه، يضع المشروع قاعدة مهمة تقطع الطريق أمام استخدام تغيير الطائفة أثناء قيام الزواج كوسيلة لتغيير القواعد القانونية الحاكمة للنزاع؛ إذ لا يترتب على تغيير أحد الزوجين لطائفته أثناء الزواج أثر في النزاع، وتظل الشريعة التي أُبرم الزواج على أساسها هي المرجع.

وهنا يبدو أن التشريع يحاول إغلاق أحد الأبواب التي استخدمت تاريخيًا في بعض النزاعات الأسرية للحصول على مخرج قانوني من علاقة زوجية متعثرة.

والميراث.. مفاجأة المشروع الأبرز

إذا كان الطلاق هو أكثر أبواب المشروع حساسية، فإن الميراث قد يكون أكثرها إثارة للنقاش.

فالمشروع يتجه إلى تطبيق مبدأ المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث للمخاطبين بأحكامه، استنادًا إلى مبادئ الشريعة المسيحية، بحيث لا تكون قاعدة «للذكر مثل حظ الأنثيين» هي القاعدة الحاكمة في هذه الحالات.

وهذا التغيير لا يتعلق بتفصيلة صغيرة، وإنما يعيد رسم خريطة انتقال التركة داخل الأسرة المسيحية، ويضع الابنة والابن على قدم المساواة في الاستحقاق وفق الأحكام المنظمة للميراث في المشروع.

الكنيسة حاضرة.. لكن الكلمة الأخيرة للمحكمة

ومن أهم ما يجب توضيحه أن الحديث عن «موافقة الكنيسة على الطلاق» يحتاج إلى دقة.

المشروع يُلزم المحكمة في دعاوى الخطبة والتطليق والبطلان والانحلال بأن تطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة كتابةً، على ألا تتجاوز مدة الرد 45 يومًا. أي أن هناك حضورًا مؤسسيًا واضحًا للرئاسة الدينية داخل إجراءات التقاضي، لكن ذلك لا يعني أن الكنيسة تحل محل المحكمة في إصدار الحكم القضائي.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن المشروع يحاول أن يمسك العصا من المنتصف: يحافظ على الخصوصية الدينية، وفي الوقت نفسه يضع إنهاء العلاقة الزوجية داخل إطار قضائي منظم.

الكاثوليك.. حالة مختلفة

ولا يمكن الحديث عن «طلاق مسيحي واحد» للجميع؛ فالمشروع نفسه يراعي اختلاف الطوائف.

وبالنسبة للطائفة الكاثوليكية، لا يجيز المشروع الطلاق أو الانحلال المدني، وتخضع مسائل الزواج والانفصال الجسماني للوائح الكنيسة الخاصة بالطائفة.

وهنا تظهر فلسفة المشروع بوضوح: قانون واحد ينظم الأحوال الشخصية، لكن ليس بالضرورة أن تكون أحكام الزواج والانفصال متطابقة بين جميع الطوائف.

هل يحل القانون الأزمة فعلًا؟

ربما تكون هذه هي أهم نقطة في الحكاية كلها.

المشروع بالتأكيد يفتح أبوابًا قانونية جديدة، ويضع قواعد أكثر تفصيلًا لم تكن موجودة في إطار تشريعي موحد، كما ينظم مسائل ظلت لسنوات محل خلاف واجتهاد.

لكن هل يعني ذلك أن كل أزمات الأسرة المسيحية ستنتهي بمجرد صدور القانون؟

الإجابة ليست بهذه البساطة.

فالقانون يستطيع أن يحدد الإجراءات، ويضع أسبابًا للانحلال والتطليق، وينظم الميراث، ويحدد اختصاصات المحكمة والرئاسة الدينية، لكنه لا يستطيع وحده أن يصلح علاقة زوجية انهارت من الداخل.

ولهذا جاء المشروع أيضًا بآليات للصلح قبل الفصل في دعاوى التطليق والانحلال، مع محاولة إعطاء الأسرة فرصة أخيرة قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

وفي النهاية، ربما لا تكون قيمة هذا المشروع في أنه «يسمح بالطلاق» بقدر ما تكمن في أنه يحاول لأول مرة وضع خريطة قانونية واضحة للأسرة المسيحية المصرية؛ خريطة تقول متى يبدأ الزواج، ومتى يبطل، ومتى يمكن إنهاؤه، ومن يملك حق اللجوء للقضاء، وكيف تُحفظ حقوق الأبناء، وكيف تنتقل التركة.

لكن تبقى الكرة الآن في ملعب البرلمان، حيث يمكن أن تخضع مواد المشروع للمناقشة والتعديل قبل أن يتحول من مشروع إلى قانون نافذ.

فالقانون الذي يمس الأسرة لا يُقاس فقط بعدد مواده.. وإنما بعدد الأزمات التي يستطيع أن يمنعها، والحقوق التي يستطيع أن يحميها، والبيوت التي يستطيع أن ينهي نزاعها بعدل دون أن يظلم أحدًا.