بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

النائب أحمد قورة يكتب: اجتماعات القاهرة ترسم خطوطاً حمراء لحماية أمن مصر والسودان وحقوقهما المائية

النائب أحمد قورة
-

ليست العلاقات المصرية السودانية مجرد علاقات جوار فرضتها الجغرافيا، أو روابط تاريخية صنعتها مياه النيل، وإنما هي علاقة مصير مشترك وأمن قومي واحد، لا يمكن تجزئته أو العبث به، مهما تعددت التحديات والمؤامرات ومحاولات بث الفرقة بين الشعبين الشقيقين.

إن ما شهدته القاهرة من انعقاد الجولة الثالثة لمشاورات آلية «2+2» لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان أمس الاثنين ، وما انتهت إليه من إعلان مشترك ومواقف واضحة، يحمل رسائل سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، تتجاوز حدود التنسيق الدبلوماسي التقليدي، لتؤكد أن القاهرة والخرطوم تدركان جيداً حجم المخاطر التي تحيط بالمنطقة، وأن أمن السودان واستقراره جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

والرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى كل من يراهن على إضعاف الروابط بين البلدين، أن مصر لن تقف متفرجة أمام أي محاولات تستهدف وحدة السودان أو سلامة أراضيه أو مؤسساته الوطنية، وأن الحفاظ على الدولة السودانية ومقدرات شعبها ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل التزام تاريخي واستراتيجي تفرضه وحدة المصالح والمصير.

لقد جاءت التحذيرات المصرية السودانية واضحة وحاسمة، برفض إنشاء كيانات موازية أو الاعتراف بها، والتأكيد على دعم مؤسسات الدولة السودانية، مع التشديد على استعداد مصر لاتخاذ التدابير التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك لحماية الخطوط الحمراء المرتبطة بوحدة السودان وسلامة أراضيه.

وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة لا تقبل المساومة،السودان القوي الموحد يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وأي محاولة لتقسيمه أو إضعاف مؤسساته أو تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية لن تكون عواقبها قاصرة على الشعب السوداني وحده، وإنما ستمتد آثارها إلى دول الجوار، وفي مقدمتها مصر.

أما ملف مياه النيل، فهو القضية الأكثر حساسية وخطورة، لأنه يرتبط بحياة الشعوب وحقوق الأجيال القادمة، ولا يجوز أن يتحول إلى أداة للضغط السياسي أو فرض الأمر الواقع أو ممارسة سياسة ليّ الذراع.

ومن هنا، فإن تمسك مصر والسودان بالقواعد القانونية والتوافقية المنظمة للتعاون بين دول حوض النيل يمثل دفاعاً مشروعاً عن الحقوق والمصالح، وليس خصومة مع أي دولة من دول الحوض.

لقد أكد الوزيران محورية دور مبادرة حوض النيل «NBI»، وضرورة الحفاظ على قواعدها التوافقية التي تأسست عليها، باعتبارها الإطار الجامع للتعاون بين دول الحوض، مع استعادة الشمولية والتوافق بعيداً عن الإجراءات الأحادية التي تهدد الثقة وتفتح أبواب الصراع.

والسؤال الذي يفرض نفسه، كيف يمكن الحديث عن تعاون حقيقي بين دول حوض النيل بينما يسعى طرف إلى فرض إرادته منفرداً، متجاهلاً حقوق الآخرين ومبدأ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق؟

إن السد الإثيوبي، في ظل الإدارة المنفردة وغياب آلية قانونية ملزمة تحكم تشغيله وإدارته، يظل مصدر قلق حقيقياً لدولتي المصب، وهو ما يستوجب العودة إلى مائدة التفاوض الجاد، والالتزام بقواعد القانون الدولي، لأن مياه النيل ليست ملكاً لطرف واحد، ولا يجوز أن ينفرد أي طرف بتقرير مصير ملايين البشر.

وأقولها بوضوح: لا تنمية حقيقية على حساب حقوق الآخرين، ولا تعاون إقليمياً يقوم على فرض الأمر الواقع، ولا يمكن بناء الثقة بينما تتعرض المصالح المائية لدولتي المصب للتجاهل.

ومن الأهمية بمكان أن تتحول التحذيرات والمواقف السياسية إلى تحرك دبلوماسي وقانوني متواصل، يعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة بين دول الحوض، ويمنع أي طرف أحادي من عرقلة التعاون والمصالح المشتركة، أو تحويل النهر الذي يجب أن يجمعنا إلى مصدر للأزمات والصراعات.

وفي المقابل، فإن توقيع مذكرة التفاهم المصرية السودانية لتنفيذ مشروعات تنموية في مجال الموارد المائية بالسودان يمثل نموذجاً عملياً لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الأشقاء.

فالمذكرة التي وقعها الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري المصري، والدكتور عصمت قرشي، وزير الزراعة والري السوداني، بحضور وزيري الخارجية في البلدين، لا تقتصر على تبادل التصريحات، وإنما تتضمن مشروعات حقيقية لإعادة تأهيل المنشآت المائية المتضررة من الحرب، والحماية من الفيضانات، وحصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات لمياه الشرب تعمل بالطاقة الشمسية، فضلاً عن التدريب وبناء قدرات الكوادر السودانية.

وهذه المشروعات تؤكد أن مصر لا تتاجر بمواقفها، ولا تكتفي بإعلان التضامن، وإنما تمد يدها إلى الشعب السوداني الشقيق بمشروعات تنموية تمس حياة المواطنين وتساعد على إعادة الإعمار واستعادة مقومات الحياة.

كما أن المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل تؤكد أن الرؤية المصرية تقوم على التعاون والتنمية والمنفعة المشتركة، وأن القاهرة لا تسعى إلى احتكار مياه النهر أو حرمان أي دولة من حقها في التنمية، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل المساس بحقوقها المائية أو حقوق شقيقتها السودان.

إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى يقظة سياسية واستراتيجية، وإلى إدراك أن أمن البحر الأحمر، مثل أمن النيل، لا يجوز أن يكون رهينة لترتيبات أحادية أو تدخلات خارجية، وأن مسؤولية حوكمة البحر الأحمر تقع على عاتق الدول المشاطئة له، بما يحفظ سيادتها واستقرارها.

وفي تقديري، فإن اجتماع القاهرة أمس الاثنين يمثل رسالة قوية لكل الأطراف بأن مصر والسودان يقفان على أرضية واحدة في القضايا المصيرية، وأن التنسيق بينهما يجب أن يتواصل ويتطور في المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والأمنية والإنسانية.

وأخيراً، فإن النيل الذي جمع المصريين والسودانيين عبر آلاف السنين يجب أن يظل جسراً للحياة والتنمية، لا ساحة للتهديد والابتزاز. ومهما اشتدت الأزمات، ستظل وحدة المصير بين مصر والسودان أقوى من محاولات التفتيت، وستبقى حقوق الشعبين المائية وأمنهما القومي خطوطاً حمراء لا تقبل المساومة. فالتاريخ لا يرحم من يعبث بمقدرات الشعوب، والمستقبل لن يكون إلا لمن يؤمن بالشراكة والعدل واحترام الحقوق، لا لمن يظن أن القوة تمنحه الحق في فرض إرادته على الآخرين.

كاتب المقال النائب احمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق