الدكتور محمود فوزي يكتب : السراب الرقمي والبوصلة الشرائية المفقودة

تكتظ بيئة التجارة الإلكترونية بكم هائل من المثيرات، والمحفزات الرقمية متعددة الوسائط الإعلامية، ومن ثم قد يعجز المتصفح الإلكتروني عن إدراكها واستيعابها بشكل كامل.
وتجد العديد من منصات التجارة الإلكترونية في المرأة نموذجا مثاليا، لتشكيل تحيزات عاطفية، واستثارة المشاعر النفسية نحو المنتج، ورغم كونه أسلوبا نمطيا تقليديا، إلا أن الخوارزميات الرقمية، جعلت من أمر التسليع الجسدي للمرأة شبحا يلتهم التوقعات الإنسانية، التي صارت عاجزة عن مجاراة المعايير الجمالية المثالية أو قل " الخيالية والأسطورية".
وتخلق هذه الهالة الجمالية عنفا إلكترونيا نفسيا، كونها تمنح مصداقية جوفاء لقوالب جمالية رمزية، قد تخفي بباطنها السمات المادية الملموسة، التي تمثل القيمة المدركة للمنتج، وما يتمتع به من مزايا تنافسية، حيث تتوارى هذه المزايا خلف استمالات الندرة المصطنعة، ومعايير الجمال المستوردة، وأنماط الشراء المقلدة، وادعاءات التميز الكاذبة.
ويميل بعض المستهلكين إلى الانقياد الأعمى، ليلهثوا خلف القوالب الاجتماعية، التي تحمل الكثير من الأساليب التسويقية، وبالطبع تلعب رغبة الانتماء، والاندماج الاجتماعي دورًا هامًا في توجيه البوصلة الشرائية للمتصفح، فإن امتلك حدسا عقليا وبصيرة قويمة، فإنه سينجح في ترشيد قراراته التسويقية، التي تتسق حينئذ مع أهدافه وقيمه، وإن قهرت تحيزاته الوجدانية خططه المنطقية، وقع في براثن التيار الشرائي، كي يدفعه سراب الهيمنة الرمزية إلى الهاوية.
وتكمن الخطورة في تلك المنطقة الدافئة أو الملاذ التسويقي الآمن الذي يسعى إليه بعض العملاء؛ هربا من ضغوط الحياة، وعدم امتلاك رفاهية التفكير الطويل، حيث يفضل هذا المستهلك أن يتجنب الخوف من الخسارة أو الندم الفردي؛ فتتأثر تصوراته المدركة عن المنتجات؛ بآراء أعضاء الجماعات المرجعية؛ الذين يمكنهم تحفيز أو إضعاف دوافعه الاستهلاكية.
وتعرف هذه العملية بالتأثير الاجتماعي المعلوماتي، الذي يقود الفرد نحو تجاهل معارفه وتجاربه الشخصية؛ للاعتماد على الآخرين؛ إيمانًا منه بحكمتهم، فينوبون عنه في اتخاذ قراراته الاستهلاكية، فالأمر لا يتوقف عند اتجاه المرء نحو التعلم من ذويه، والاعتماد على تجاربهم، وسردياتهم، وقصصهم الإنسانية؛ بل الانقياد التام، والاستهلاك الأعمى، الذي تعززه حالة الخمول المعرفي المهيمنة على شخصيته.
وفي الوقت الذي يعمد فيه بعض العملاء مشاركة قصصهم الإنسانية وتوصياتهم حول تجاربهم الشرائية؛ إلا أن الأمر قد ينشئ حالة من التوتر وعدم اليقين الرقمي؛ نتيجة لعدم توافق وتماثل المعلومات، ومن ثم الاختلاف الجوهري بين القيم المدركة للمنتج، وبين صورته الدعائية، التي نجحت أساليب التسويق في رسم ملامحها.
فالميزة المعلوماتية لا تكفي وحدها لصناعة قرار شرائي رشيد؛ بل تصبح نقمة في يد مستهلك مرتعش؛ يتردد بشأن كفاية وجودة معلوماته، أو يعتقد بقدرات الآخرين على تحليل ومعالجة المعلومات بشكل أفضل منه، أو امتلاكهم لكم أكبر من المعلومات، التي يعجز عن اقتنائها، وكلما اتسمت المعلومات المتاحة بالوفرة والجودة، كلما تضاءلت احتمالات شعور المستهلك بخيبة الأمل، وانتهاك العقد النفسي؛ كنتيجة حتمية مباشرة؛ لشعوره بالخداع التسويقي، والخذلان الناجم عن قراراته الشرائية الخاطئة.

