المستشار محمد سليم يكتب: بين عجز الإنسان وقدرة الرحمن.. دروس الحياة وحكمة الأقدار

ليست كل التجارب التي نمر بها في هذه الحياة مجرد أحداث عابرة، فبعضها يأتي ليعيد تشكيل أرواحنا، ويغير نظرتنا إلى الأشياء، ويكشف لنا من حقائق البشر والحياة ما لم تكن أعيننا قادرة على رؤيته من قبل. فهناك لحظات لا نتعلم فيها من الكتب، ولا من نصائح الآخرين، وإنما نتعلم من الألم، ومن الانتظار، ومن خيبات الأمل، ومن تلك المواقف التي نقف أمامها عاجزين لا نملك سوى الصبر والدعاء.
لقد أدرك الحكماء والفلاسفة أن الإنسان لا يعرف حقيقة نفسه في أوقات الراحة، وإنما تظهر معادن النفوس حين تشتد المحن، وتسقط الأقنعة، وتتوقف الحسابات، ويجد المرء نفسه أمام اختبار حقيقي بين ما يريد وما تريده له الأقدار.
ولعل الفيلسوف اليوناني سقراط كان من أكثر من أدركوا قيمة المعرفة والتأمل في النفس، حين ارتبطت فلسفته بفكرة أن معرفة الإنسان لنفسه هي بداية الحكمة. فالإنسان الذي لا يراجع أفكاره ولا يتأمل تجاربه يظل أسيرًا لأوهامه، أما الذي يتعلم من ألمه، فإنه يكتسب بصيرة لا تمنحها سنوات العمر وحدها.
ومن هنا ندرك أن الألم، وإن كان لا يستطيع أن يعيد ما مضى، فإنه قادر على تغيير الإنسان الذي عاش تلك التجربة. قد يخرج من المحنة أكثر حكمة، وأقل اندفاعًا، وأكثر إدراكًا لقيمة النعم التي اعتاد وجودها حتى ظن أنها حق مكتسب لا يمكن أن يزول.
أما وليم شكسبير، شاعر الإنسانية الذي غاص في أعماق النفس البشرية، فقد قدم في أعماله صورًا متعددة للصراع بين الأمل واليأس، وبين الطموح والواقع، وبين ما يتمناه الإنسان وما تفرضه عليه الحياة. وكأن رسالته إلينا أن الحياة مسرح واسع، تتبدل فيه الأدوار والمواقف، ولا ينبغي أن نحكم على حكاية إنسان من فصل واحد من فصولها.
ومن أعظم الحقائق التي ينبغي أن يتعلمها الإنسان أن عجزه ليس نهاية الطريق، وأن محدودية قدرته لا تعني محدودية الحلول، فهناك فرق شاسع بين ما يستطيع الإنسان تدبيره بعقله، وما يملكه الله سبحانه وتعالى من قدرة وتدبير وحكمة.
وهنا نستحضر حكمة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي ارتبط اسمه بالحكمة والبصيرة، ومن الأقوال المشهورة المنسوبة إليه: «دواؤك فيك وما تشعر، وداؤك منك وما تبصر». وهي عبارة تدعونا إلى مراجعة أنفسنا، والبحث عن أسباب القوة داخلنا، وعدم الاستسلام للضعف مهما اشتدت الظروف.
كم من إنسان ظن أن خسارته نهاية الحكاية، فإذا بها بداية مرحلة أكثر نضجًا ووعيًا. وكم من إنسان انتظر بابًا بعينه، وظل يطرقه طويلًا، حتى فتح الله له بابًا آخر لم يكن يخطر له على بال. وكم من دعوة خرجت من قلب مكسور، لم يعرف صاحبها كيف تتحقق، لكن الله ساق إليه الفرج من طريق لم يكن يتوقعه.
ولعل الإمام الشافعي رحمه الله لخص فلسفة الصبر والرضا في أبياته الشهيرة:
دعِ الأيامَ تفعلُ ما تشاءُ .. وطِبْ نفسًا إذا حكمَ القضاءُ.. ولا تجزعْ لحادثةِ الليالي .. فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ
فليست الحكمة أن نعيش بلا أحزان، وإنما أن نمتلك من الإيمان ما يجعلنا نعبر الأحزان دون أن نفقد أنفسنا، وأن نفهم أن الأيام تتغير، وأن الشدة مهما طالت فلن تكون أبدية.
ومن أعمق ما قيل في هذا المعنى ما كان يذكره فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في أحاديثه عن الابتلاء والقدر، إذ كان يرسخ في نفوس الناس معنى أن تدبير الله سبحانه وتعالى أوسع من إدراك البشر، وأن الإنسان قد يرى في بعض الأحداث شرًا، بينما تحمل له في طياتها حكمة لا يدركها إلا بعد مرور الزمن.
إن الحكمة الحقيقية ليست أن تمتلك إجابة عن كل سؤال، ولا أن تفهم كل ما يحدث حولك، وإنما أن تمتلك من اليقين ما يجعلك مطمئنًا حتى في اللحظات التي لا تفهم فيها شيئًا.
فليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل فقدان عقابًا، وليس كل باب مغلق شرًا، فقد تكون بعض الأقدار التي أحزنتنا يومًا هي ذاتها التي أنقذتنا من طرق لم نكن نعرف نهايتها.
إن الأخذ بالأسباب واجب، والسعي مطلوب، لكن التعلق بالنتائج وحدها يرهق الروح ويستنزف القلب. فاعمل وكأن كل شيء يتوقف على جهدك، وتوكل على الله وكأن الأمر كله بيده، فهو سبحانه مالك الملك، ومقدر الأقدار، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
لا تجعل لحظة ضعف تقنعك بأن الطريق انتهى، ولا تسمح لخيبة أمل أن تنتزع منك الأمل، ولا تظن أن تأخر الفرج يعني غيابه. فبين دعائك واستجابة الله حكمة، وبين انتظارك وتدبير الله أقدار لا تعلمها.
وفي النهاية، تذكر دائمًا أن الإنسان قد يعجز عن تغيير واقعه، لكنه لا يعجز عن أن يرفع يديه إلى من بيده تغيير كل شيء، فإذا ضاقت بك الأرض بما رحبت، وتقطعت بك الأسباب، ووقفت عاجزًا أمام ما لا تستطيع تغييره، فلا تنكسر ولا تيأس؛ فرب الأسباب لا تعجزه الأسباب، ورب الأبواب لا تغلق قدرته الأبواب.
وحين تسأل نفسك، من أين يأتي الفرج؟ تذكر أن الله قادر أن يأتيك به من حيث لا تحتسب، فالحمد لله على ما كان، والحمد لله على ما يكون، والحمد لله على ما لم نعلم حكمته بعد، فكم من أمر أبكانا بالأمس، أصبحنا اليوم نحمد الله أنه لم يتحقق!
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

