محمد طرابيه يكتب : البلوجر ليسوا صحفيين.. احذروا خلط الأوراق

أؤمن إيماناً كاملاً بأن مصر تتسع للجميع، وأن من حق كل مواطن أن يأخذ فرصته كاملة في أي مجال يبدع فيه، وأن الحوار يجب أن يظل مفتوحاً أمام كل الطاقات والمواهب. لكن الإيمان بسعة المجال لا يعني أبداً خلط الأوراق أو هدم الثوابت المهنية التي بنيت عبر عقود طويلة من الكفاح.
وقد توقفت خلال الأيام الماضية أمام موجة من المطالبات التي يرددها البعض ممن يطلقون على أنفسهم لقب "المؤثرين" أو "البلوجر"، وهم من يمتلكون صفحات على مواقع التواصل تحظى بملايين المتابعات والإعجابات، يطالبون فيها بالانضمام إلى عضوية نقابة الصحفيين، بل وعضوية نقابة الإعلاميين بعدما أعلن الدكتور طارق سعدة نقيب الإعلاميين ترحيبه بانضمامهم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية التي يجب أن نتوقف أمامها بكل حزم ومسؤولية. فهذا الأمر ليس بسيطاً ولا يمكن تمريره مرور الكرام، بل يحتاج إلى دراسة متأنية وعميقة من كل الجهات المعنية.
لقد تابعت ردود الفعل داخل نقابة الصحفيين، ووجدت رفضاً قاطعاً وحاسماً من مجلس النقابة ومن أعضاء الجمعية العمومية لهذا الطرح، وهو رفض أراه منطقياً ومشروعاً ويحمي المهنة من الانهيار.
فالمعيار الحقيقي للصحافة ليس عدد الإعجابات ولا أرقام المشاهدات.
الشهرة الرقمية لا تصنع صحفياً، والانتشار الواسع لا يعني بالضرورة تقديم وعي حقيقي أو تنوير للمجتمع. فكم من محتوى فارغ ينتشر كالنار في الهشيم، وكم من رسالة هادفة لا تجد من يشاهدها.
وإذا نظرنا إلى طبيعة المحتوى الذي تقدمه غالبية هذه الصفحات، سنجد أنه يتراوح بين وصفات الطعام، ونصائح الإتيكيت السطحية، ومقاطع تمثيلية مصطنعة لا تخلو أحياناً من ألفاظ خادشة للحياء العام، أو محتوى يتصادم بشكل صريح مع قيم وتقاليد وأعراف المجتمع المصري الأصيل.
والأخطر من نوعية المحتوى هو عدم أهلية من يقدمه. فالغالبية العظمى من هؤلاء، مع كامل احترامنا وتقديرنا لشخصهم، غير مؤهلين علمياً ولا مهنياً للاضطلاع بدور خطير مثل تشكيل وعي الناس وتثقيفهم.
وقد رأينا خلال الفترة الماضية كوارث حقيقية، فهناك من خرج على ملايين المتابعين ليصف وصفة طبية لعلاج مرض مزمن أو للتخسيس السريع، وحصد الفيديو ملايين المشاهدات، بينما هذه الوصفة في حقيقتها قد تودي بحياة إنسان أو تسبب له مضاعفات خطيرة. فكيف نسمح لمن قرأ مقالاً على الإنترنت أو شاهد فيديو على يوتيوب أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى خبير طبي؟ .
نحن نعاني بالفعل من كوارث تزوير الشهادات واقتحام غير المتخصصين لمجالات شديدة الحساسية والقدسية، فهل نزيد الطين بلة بفتح أبواب أعرق النقابات المهنية أمام كل من يملك هاتفاً محمولاً وصفحة على فيسبوك؟.
إن الحل العادل والمنطقي يكمن في توجيه هؤلاء إلى المكان الصحيح الذي يناسبهم، وهو النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر. فهي المظلة التي يمكن أن تستوعبهم وتقنن أوضاعهم، شريطة أن يتم التأكد من تخصصاتهم ومراجعة المحتوى الذي يقدمونه بشكل علمي ومهني دقيق.
خلاصة القول، إن التخصص هو أساس النجاح، والعلم هو جواز المرور الحقيقي لأي تأثير. والانتشار وحده ليس إنجازاً، فقد يكون انتشاراً لجهل أو لتأثير سلبي مدمر.
لذا، أرجو من الجميع التريث وعدم الانسياق وراء مطالب شعبوية قد تكون لها تداعيات كارثية على مستقبل الإعلام والصحافة في مصر.

