عصام جاد يكتب: وداد المُحب

ما الود إلا كرم خلقي يظهره المُحب في تعامله، وكأن الود والكرم وجهان لحقيقة واحدة، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، بل يكتمل به.
وجمال الود لا يقاس بلحظة عاطفة عابرة، بل بقدرته على الاستمرار، فقد يخفي الإنسان حبه ويُجبر أحيانًا على كتمانه، فلا يبدي تعليقًا ولا يصرح بشعور، ومع ذلك يظل مخلصًا في حبه، مكتفيًا برؤية من أحب، وكأن تلك الرؤية غايته.
ومن أبلغ ما صور به هذا المعنى قول ابن حجر العسقلاني:
"لو أن عُذّالي لوجهك أسلموا.. لرجوت أني في المحبة أسلم.. كيف السبيل لكتم أسرار الهوى.. ولسان دمعي بالغرام يترجم".
تكشف هذه الأبيات عن أن المحب يظل ثابتًا على شعوره، حتى إن اكتفى برؤية محبوبه، وأن من يلومه لو أبصر محبوبه لأدرك سر هذا التعلق.
كما تبين أن الود لا يُكتم، إذ تفضح العيون ما تخفيه القلوب، ومن هنا تتجلى عظمة الحب في صدق اقتناع المُحب بما أحب، فالود الصادق لا يتبدل بقرب ولا يضعف ببُعد، بل يظل حاضرًا في الغياب كما هو في اللقاء.
فالحب ليس اندفاعًا عاطفيًا مؤقتًا، ولا إثارة لمشاعر عابرة، بل هو ثبات الود وجمال استمراره، عهد يحفظه القلب، ويصونه صاحبه، دون غاية سوى أن يبقى هذا الحب.

