بوابة الدولة
الخميس 6 أغسطس 2026 11:40 صـ 21 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
جامعة القاهرة: بنك مصر يضخ 11 مليون جنيه جديدة لدعم قصر العيني محمد رمضان يعِد متابعيه بأجر مصطفى حدوتة لمَن يستكمل أغنيته الجديدة وزارة الدولة للإعلام تدعو للاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي جنة همام.. طفولة ينهكها المرض وأم تنتظر بصيص أمل للعلاج خارج غزة المركزي: معدلات الشمول المالي تواصل ارتفاعها 79% من المواطنين يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية البنك المركزى: 79% من المواطنين فوق 15 سنة يمتلكون حسابات نشطة غضب عبد الله السعيد يؤجل انضمامه لمعسكر الزمالك.. وعبد الناصر محمد يتحرك سفيرة البحرين: زيارة الملك لمصر خطوة جديدة فى مسيرة العلاقات المصرية البحرينية دعوى إفلاس بـ62.3 مليون جنيه.. بنك QNB يلاحق شركة ”الأهرام للطباعة” بالمحكمة الاقتصادية تنسيق الجامعات 2026.. التعليم العالى تهيب بالطلاب سرعة التسجيل للاختبارات الموافقة على تصدير أعلاف الأسماك والدواجن والبيض إلى دول عربية وأجنبية طرح السكر الحر اليوم بسعر 25 جنيهًا للكيلو

صفاء الليثى تكتب: ”من المسافة صفر” حياة تنمو من تحت الأنقاض

صفاء الليثي
صفاء الليثي

"المسافة صفر" تعبير عسكري اتخذه المخرج الفلسطيني عنوانا لمنتجه الذي يقدم فيه 22 فيلما قصيرا نفذها فلسطينيون بأقل الإمكانيات تحكي في مجموعها الحالة الفلسطينية في مواجهة نكبتهم المستعرة بعد أن شاهدنا في الأخبار مشهد لمقاتل عاري الرأس خارجا من حفرة بالأرض ينتعل خفا منزليا وبسلاحه اليدوي يفجر دبابة ميركافا من الجيل الرابع و من أقرب مسافة معنوية فيلتحم فيها مع نصره ليحول الصفر من قيمة عددية إلى قيمة معنوية و يعود بعدها زاحفا الى نفقه تاركا خلفه دبابة تحترق. تحول فجأة هذا المصطلح (المسافة صفر) الى حدثٍ مبهر في حياتنا عندما قامت المقاومة الفلسطينية في غزة باعتماد تكتيك عسكري معروف لكنه جديد نسبياً وهو مستخدم سابقا في الحروب التي جرت في العصور القديمة ومن أيام السيوف والرماح، وقد اعتُمد هذا التكتيك حينها كأسلوبِ مواجهةٍ ونمطٌ دفاعيٌ يستعمل التكتيك الهجومي و يعتمد على المواجهة المباشرة بين حروب الشجعان (مكشوفي الصدر والرأس ) و حروب الجبناء المختبئين في الكتل الحديدية ( الدبابات) وبالمقابل كان نمط وطريقة المسافة صفر، للمقاتلين المدافعين عن ارضهم هو فخر الرجولة وفخرُ المقاومة حيث من خلال هذا التكتيك يواجه رجل لرجل او رجل يواجه دبابة او رجل يواجه مجموعة من الجند.

وصول فيلم رشيد مشهراوي "من المسافة صفر" إلى تصفيات الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي إنجاز مستحق ليس فقط لأن فلسطين بعد 7 أكتوبر احتلت الاهتمام الأكبر على مستوى العالم ولكن أيضا لأن العمل المكون من 22 فيلما قصيرا تجربة استثنائية تقدم مسحا لعدد كبير من فناني السينما الفلسطينى عبر أعمال متنوعة الأنواع بينها الوثائقي والروائي القصير وأفلام التحريك التي لفتت انتباهي بعد مشاهدة متأنية للفيلم بعضها عابر للنوعية مثل فيلم " جلد ناعم" الذي تمتزج فيه رسوم الأطفال مع المشاهد الحية لأطفال يتعلمون كيف تتم أفلام الرسوم المتحركة وبالطبع عبر رسوماتهم ، الخيام والأطفال الصامدين وسط الحرب.

تتابع الأفلام القصيرة ونشهد الوثائقي "تاكسي ونيسة" حمار يجر عربة كارو وتقوم بدور التاكسي في ظروف شعب عليه أن يبدأ من الصفر، ونيسة ترفض أن تتحرك بعد موت صاحبها . سنشهد لقاء مع أحد الناجين من تحت الأنقاض في فيلم " 24 ساعة"، مشهد خروجه من تحتها بث بالأخبار والفيلم يقدم الما بعد في لقاء مع الشاب الوحيد الذي نجا من أسرته التي دفنت تحت الأنقاض. تصحح الأفلام على قصر زمن عرضها معلومات تصلنا غير كاملة ففي "دقيق مصر" نشاهد كيف يتم القاء عبوات الدقيق من الطائرات فتتحطم الصناديق ويختلط الدقيق بالتراب ومع ذلك يجمعه الشباب نعمة يحتجونها لمواصلة العيش. ومخرج يجمع معدات تصوير فيلمه " عذرا سينما" فلا وقت للحب. "من المسافة صفر" ومدة عرضه 100 دقيقة كشكول أو ألبوم يضم مشاهد حياة تمحو آثار الدمار ونشهد صمود أبناء غزة وكفاحهم في مواجهة الميركافا وقصف الطائرات. نادرا ما نسمع بكائيات إذ تغلب القصص المليئة بالأمل وكأن هذا الشعب مستمر في منحنا نحن المراقبين عن بعد درسا في الصمود أمام نكبات الحياة. أول عمل في السلسلة تحكي سيدة شابة وتظهر لنا كيف تتأنق وتضع رتوش مساحيق التجميل لتكون جميلة وحاضرة للموت الذي قد يأتي في أي لحظة. السخرية من الموت واستعمال الكفن يتغطى به الشاب ليتدفأ في "جحيم السماء" عمل آخر دوكيو دراما لقصة حدثت ويتم تصويرها قبل ساعة الصفر حين يأتي الموت المنتظر. صمود آخر لطفل يخرج من المدرسة بعد "يوم دراسي" عادي ليزور قبر معلمه.

"خارج التغطية"عمل موجع يرفض فيه الرجل التسليم بقبول موت أخيه ويحمل ابنته الطفلة مسئولية المراقبة فوق الأنقاض. لاحظت تكرار تعبير تحت الأنقاض بينما أكتب رغم أن الانطباع الأخير للعمل ككل مفتوح على السماء ويدعو للحياة. يتميز أيضا فيلم العرائس "صحوة" الذي يقوم فيه صبية بتحريك عرائسهم بمهارة الكبار يصحو فيه والدهم من فقدان ذاكرة عادت إليه مع قصف الحرب ويتذكر ( ياه هوه احنا هيك حالنا نحن الفلسطينية!!، انفجار بيغيبنا وانفجار بيرجع بيصحينا ) وينتهي بأغنية من كلمات الشاعر المصري زين العابدين فؤاد ، ( في كل يوم حصار وف كل يوم غنا، همه يبدأو الدمار واحنا نبدأ البناء.) فتكون خير نهاية للعمل الذي أتصور أن مهمة مشهراوي الأساسية له كانت في ترتيب تتابعها لكي تشكل صيحة أمل وحياة تنمو من تحت الأنقاض.

لا شك أنه قام بمهمة الإشراف عن بعد للمخرجين والمخرجات تاركا لهم مساحة الحرية للتعبير بالشكل والمضمون عن إحساسهم بغزة فلسطين الصامدة، وبدعم انتاجي للمخرجة ليالي بدر تحقق العمل الذي يدفعنا للتفاؤل ما دام بفلسطين كل هذه الطاقة الظاهرة في " من المسافة صفر".