بوابة الدولة
الأربعاء 29 يوليو 2026 02:34 مـ 13 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
”بحوث الصحراء” و”سيدارى” يوقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مكافحة التصحر واستعادة خصوبة التربة ريال مدريد يتحرك بقوة لحسم صفقة رودري أيمن الجميل: تصدر مصر أفريقيا في جذب الاستثمار الأجنبي يؤكد نجاح الإصلاحات ، والقارة تمتلك فرصا واعدة للشركات المصرية كاسبرسكي تستعرض أبرز التهديدات السيبرانية خلال النصف الأول من عام 2026 في مصر استقرار سعر الحديد اليوم الأربعاء 29 يوليو 2026 في الأسواق حماية المستهلك يضبط ورشة تعيد تبعئة شاى مجهول المصدر فى الجيزة رئيس مدغشقر: عصر التحديث الذى تشهده مصر شغل لها مكانة متميزة أفريقيًا ودوليًا وزيرة الإسكان تصدر 3 قرارات لإزالة مخالفات بناء لفرض الانضباط العمراني اليورو يرتفع بمنتصف تعاملات اليوم الأربعاء 29 يوليو 2026 أمام الجنيه بالبنوك اورنچ تقود مشروع رقمنة تراث ماسبيرو عبر منظومة متكاملة تعتمد على أحدث تقنيات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعى اعرف أماكن وحدات المرور الإلكترونية والنموذجية بالمولات والمراكز التجارية البنك الأهلي المصري يحصد ثلاث جوائز ضمن Digital CX Awards 2026 تقديرًا لريادته في توظيف الذكاء الاصطناعي وتعزيز تجربة العملاء

صحح مفاهيمك: تهنئة المسلمين لإخوانهم المسيحيين جزء أصيل من الهوية المصرية

صحح مفاهيمك
صحح مفاهيمك

أكدت مبادرة صحح مفاهيمك أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم في مصر تشكل ظاهرة مركبة تجمع بين: الامتداد التاريخي، والتكيف الاجتماعي استجابة للواقع المتعدد ثقافيًّا ودينيًّا، والتماسك الوطني المعبر عن الوحدة الوطنية عبر تاريخ مصر.

الجذور التاريخية: التهاني كبروتوكول رسمي وشعبي

تعد مصر نموذجًا فريدًا للتعايش بين الأديان والثقافات عبر العصور، حيث شكل التعايش بين المسلمين والأقباط والأقليات الأخرى نسيجًا اجتماعيًا متميزًا، تهنئة غير المسلمين بأعيادهم ليست ظاهرة حديثة، بل لها جذور عميقة في التاريخ المصري، حيث بُنيت على أسس ثقافية وتاريخية عميقة، وكانت الممارسات الرسمية والشعبية لتهنئة غير المسلمين بأعيادهم تتطور بمرور الزمن، بدءًا من التسامح وصولاً إلى المشاركة المتبادلة، فمنذ الفتح الإسلامي لمصر عام (٢٠هـ - ٦٤١م)، وضع القائد عمرو بن العاص أسسًا للتعايش تضمنت احترام تقاليد الأقباط وطقوسهم، فقد ذكر ابن تغري بردي [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (١/ ٢٤)]: "هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقض" فهذا عقد أمان بممارسة شعائر دينهم بحرية وأمان.

ويقول المسعودي عن احتفال المصريين بعيد الغطاس: "قد حضر النيل في تلك الليلة مئات آلاف من الناس من المسلمين والنصارى، منهم في الزوارق ومنهم في الدور الدانية من النيل ومنهم على الشطوط، لا يتناكرون الحضور، ويحضرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجواهر". [١/٣٧١].

وفي العصر الفاطمي الذي شهد ازدهارًا كبيرًا للاحتفالات القبطية، يحكي لنا المقريزي عن هذه الاحتفالات ومشاركة الناس فيها فيقول في عدة مواضع: "وكان عيد الشعانين من مواسم النصارى بمصر التي تزين فيها كنائسهم" عيد الميلاد: يزعمون أنه اليوم الذي ولد فيه المسيح، وهو يوم الإثنين فيحيون عشية ليلة الميلاد، وسنتهم فيه كثرة الوقود بالكنائس، وتزيينها ويعملونه بمصر في التاسع والعشرين من كيهك، ولم يزل بديار مصر من المواسم المشهورة، فكان يفرق فيه أيام الدولة الفاطمية على أرباب الرسوم من الأستاذين المحنكين والأمراء المطوّقين، وسائر الموالي من الكتاب وغيرهم الجامات من الحلاوة القاهرية والمثارد التي فيها السميذ"، ويقول أيضا: "وأدركنا الميلاد بالقاهرة، ومصر، وسائر إقليم مصر موسمًا جليلًا يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله وكانوا يسمونها: الفوانيس، واحدها فانوس، ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئاً يخرج عن الحد في الكثرة والملاحة". مما يدل على تمازج ثقافي عميق بين المصريين. [الخطط والآثار (٢/٢٧، ٢٨، ٢٩)].

ترسيخ التهاني كهوية وطنية في عصر الدولة الحديثة

على المستوى الرسمي:

استمر هذا التقليد مع كافة الرؤساء المصريين حتى يومنا هذا، حيث يشارك رئيس الجمهورية وشيخ الأزهر في تبادل التهاني.

بل في افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، حضر الرئيس جمال عبد الناصر حفل الافتتاح بصحبة الإمبراطور هيلا سلاسي إمبراطور الحبشة، والأنبا كيرلس السادس بابا الإسكندرية، وبطريرك الكرازة المرقسية، وكان وقتها هو الذي انتخب بعده البابا شنودة الثالث.

وبحسب المصادر التاريخية أنه في ٢٤ يوليو ١٩٦٥تم وضع حجر الأساس للكاتدرائية المرقسية الجديدة بأرض الأنبا رويس بالعباسية، وتم افتتاحها رسميًّا للصلاة في ٢٥ يونيو ١٩٦٨م. [مقال في جريدة اليوم السابع بعنوان: الأقباط يحتفلون بذكرى افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية]

على المستوى الديني:

وكان للأزهر الشريف وكل المؤسسات الدينية دورٌ محوريٌّ في ترسيخ هذه الممارسة، حيث يتبادلون رسائل التهنئة في الأعياد الإسلامية والقبطية مؤكدين على الوحدة الوطنية بين المصريين، وتستند المؤسسات الدينية المعاصرة في إجازتها للتهنئة إلى مبدأ "البر والقسط" فقد قال تعالى: {لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: ٨]، وما ورد في حسن الجوار، بالإضافة إلى الإرث التاريخي لهذه الممارسة في مصر، وانظر: فتوى دار الإفتاء المصرية بعنوان: تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.

الممارسات الشعبية:

تعتبر الممارسات الشعبية هي الشاهد الأقوى على تجذر التهاني كعرف اجتماعي، وليست مجرد ظاهرة رسمية:

ففي الريف المصري: أصبح تبادل التهاني عرفًا اجتماعيًا راسخًا، يشمل ذلك تبادل الكعك والفطير في الأعياد، ومشاركة الجيران (مسلمين وأقباط) في ولائم العيد والزيارات المنزلية المتبادلة.

في الحضر والمدن: تطورت تقاليد التهاني لتشمل تزيين المحلات التجارية بزينة الأعياد المسيحية، وإرسال البطاقات والهدايا بين الزملاء في العمل، مما يعكس تمازجًا عميقًا في الحياة اليومية.

التهاني في الإعلام والثقافة الشعبية

استوعبت الثقافة الشعبية هذا التمازج وعكسته ليصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية:

الصحافة المصرية: منذ أواخر القرن التاسع عشر خصصت الصحف الكبرى مساحات واسعة لنشر رسائل التهنئة من كبار الشخصيات وعموم الناس.

الإذاعة والتلفزيون: مع ظهور وسائل الإعلام الحديثة أصبحت التهاني جزءًا إلزاميًّا من البرامج الخاصة، حيث تتبادل القيادات كلمات المعايدة، وتصل التهاني لكل بيت مصري.

السينما والأدب: جسدت السينما المصرية العلاقة التكاملية بين الطائفتين في أفلام عديدة، مما رسخ صورة المواطنة المشتركة وحسن الجوار في الوعي الجمعي.

في قلب مصر تتشابك خيوط التاريخ والدين لتشكل نسيجًا اجتماعيًّا فريدًا، إن تهنئة المسلمين لإخوانهم المسيحيين بأعيادهم ليست مجرد لفتة عابرة، بل هي ممارسة تاريخية عريقة وجزء أصيل من الهوية المصرية.