الكاتبة الصحفية إيمان حمدي سراج تكتب ... إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام… هل غيّرنا الفكرة أم غيّرنا العنوان
لم يكن الإعلان عن إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام مجرد خطوة إدارية في إطار إعادة ترتيب الحكومة، بل جاء كقرار ثقيل الدلالة، يمس واحدًا من أكثر الملفات الاقتصادية تعقيدًا وحساسية في الدولة. فنحن لا نتحدث عن وزارة خدمية تقليدية، بل عن كيان كان مسؤولًا عن إدارة عشرات الشركات المملوكة للدولة، بأصول تتجاوز قيمتها التريليون جنيه، وتاريخ طويل من الأزمات المؤجلة.
لسنوات، مثّلت وزارة قطاع الأعمال عنوانًا لمحاولة الدولة الجمع بين دور المالك ودور المدير، لكن التجربة أثبتت أن الجمع بين الدورين لم يكن ناجحًا. فالشركات التابعة للوزارة عانت من خسائر مزمنة، وبيروقراطية معطِّلة، وقرارات تتأجل أكثر مما تُنفذ. لم يكن الفشل وليد لحظة، بل نتاج تراكم سنوات من غياب الحسم؛ فلا تطوير جذري تم، ولا تصفية شجاعة أُعلنت، ولا محاسبة واضحة طُبقت.
قبل الإلغاء، كانت المسؤولية موزعة على طبقات إدارية متعددة، تبدأ من الشركة التابعة، مرورًا بالشركة القابضة، وصولًا إلى الوزارة. هذا التعقيد جعل القرار بطيئًا، وأحيانًا عاجزًا عن اللحاق بالخسائر المتسارعة. وبمرور الوقت، تحولت الوزارة إلى مظلة لإدارة الأزمة بدلًا من حلها، وباتت الشركات عالقة في منطقة رمادية بين البقاء والاختفاء.
اليوم، ومع نقل هذه التركة الثقيلة إلى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الدكتور حسين عيسى، تدخل الدولة مرحلة جديدة، عنوانها تقليص الهياكل وتوسيع الرؤية الاقتصادية. من حيث المبدأ، تبدو الخطوة منطقية؛ إذ تسعى الدولة إلى التخلي عن دور “التاجر” والتركيز على دور “المنظم”، بما يسمح بقرارات أسرع وأكثر مرونة، سواء في إعادة الهيكلة أو الشراكة أو حتى التخارج.
لكن المنطق وحده لا يكفي. فإلغاء الوزارة لا يعني بالضرورة إصلاح الخلل، كما أن الإبقاء عليها لم يكن ضمانة للنجاح. التحدي الحقيقي يكمن في ما سيحدث بعد الإلغاء: هل ستدار هذه الأصول بعقل اقتصادي شفاف، يوازن بين الكفاءة والبعد الاجتماعي؟ أم أن السرعة ستتحول إلى تسرع، وتصبح الحاجة إلى السيولة مبررًا لبيع أصول استراتيجية دون تقييم عادل؟
القلق المشروع هنا لا يتعلق بالاسم أو الهيكل، بل بآليات المحاسبة والرقابة. فغياب وزارة متخصصة يطرح سؤالًا مباشرًا: من يراقب الأداء؟ من يحاسب على الخسائر؟ ومن يضمن ألا يدفع العمال ثمن أخطاء لم يكونوا طرفًا فيها؟ هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن أي خطة تطوير أو شراكة يتم الإعلان عنها.
في المحصلة، إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام ليس إنجازًا في حد ذاته، كما أنه ليس خطأ بالضرورة. هو قرار يفتح بابًا واسعًا لاحتمالين: إما إصلاح حقيقي قائم على الشفافية والمحاسبة والتقييم العادل، أو إعادة إنتاج الأزمة في شكل جديد، بلافتة مختلفة ومسؤوليات أقل وضوحًا.
التاريخ لن يتوقف طويلًا عند قرار الإلغاء، لكنه سيتوقف حتمًا عند النتائج. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا هو: هل أحسنت الدولة إدارة ثروتها العامة، أم اكتفت بتغيير العنوان وتركت الجوهر على حاله؟




















.jpeg)


