الكاتب الصحفى مصطفى قايد يكتب : بين حرية سرور للصحافة .. وغلق الأبواب أمام المحررين البرلمانيين الجدد
حرية الصحافة ليست منحة من أحد، ولا امتيازًا تمنحه مؤسسة وتمنعه أخرى، بل هي مبدأ دستوري راسخ، وأحد أهم الضمانات التي تكفل للمجتمع معرفة ما يدور داخل مؤسساته، وعلى رأسها المؤسسة التشريعية التي تمثل ضمير الأمة وصوت الشعب، ومن هنا تبدو العلاقة بين البرلمان والصحافة علاقة طبيعية تقوم على الشراكة والتكامل، لا على الإقصاء أو التضييق.
لكن ما يثير الدهشة والاستغراب في الوقت الراهن هو الطريقة التي يتعامل بها مجلس النواب مع الصحافة البرلمانية، وكأنها عبء يجب تقليصه، لا شريكًا يجب دعمه.
والسؤال المشروع الذي يفرض نفسه لماذا يتم حفظ الخطابات الموجهة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ،والهيئة الوطنية للصحافة الى مجلس النواب النواب لاعتماد المحررين البرلمانيين الجدد ،لتغطية جلسات المجلس ولجانه؟ وما الأسباب التي تجعل بعض الصحف والمواقع الإلكترونية تُحرم من ممارسة دورها الطبيعي في متابعة العمل البرلماني؟
الأمر لم يعد مجرد إجراءات تنظيمية، بل أصبح واقعًا يثير علامات استفهام عديدة ؟ ، خاصة أن مجلس النواب منذ الفصل التشريعي السابق، أي منذ ما يقرب من ست سنوات، يبدو وكأنه يطبق المثل الشعبي المعروف، “اللي تعرفه أحسن من اللي متعرفوش”، فقد اكتفى المجلس بالمحررين الموجودين لديه منذ سنوات، ورفض عمليًا فتح الباب أمام أي محرر برلماني جديد، حتى لو كان مستوفيًا لكل المعايير المهنية والقانونية.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شهدت السنوات الست الماضية إجراءات غير مسبوقة في تاريخ العمل البرلماني والصحفي معًا، فقد تم حرمان الصحفيين من دخول شرفة الصحافة التى كان يجلس فيها العملاقة الاساتذة الاجلاء، محمود معوض وجلال السيد وشريف العبد ومحمود نفادى ومحمود غلاب وجهاد عبد المنعم وصالح شلبى ومصطفى عبد الغفار وشريف رياض ومحمد المصرى وفاطمة بركة ونور الصباح وعبد الوهاب عدس ،وفاطمة احسان ومنال لاشين ورفعت رشاد ومحمد عبد الحافظ واسامة السعيد وعمرو الخياط ،وغيرهم من الاساتذة العظماء، لمتابعة الجلسات والتفاعل مع الأحداث لحظة بلحظة، ومع تقليص دور الصحافة البرلمانية منذ ست سنوات أصبحت متابعة مناقشات النواب عبر شاشات داخلية، وكأنهم يشاهدون برنامجًا تليفزيونيًا لا جلسة برلمانية يفترض أن تكون مفتوحة أمام الرأي العام.
ايضاً تم حرمان المحررين البرلمانيين من مرافقة الوفود البرلمانية في زياراتها الخارجية، وهو أمر كان يُعد في السابق تقليدًا مؤسسيًا يعكس احترام البرلمان ،لدور الإعلام في نقل نشاطه إلى الرأي العام داخل مصر وخارجها.
الغريب أن هذا يحدث، في الوقت الذي نجد فيه معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية والاقتصادية والثقافية والفنية والرياضية تفتح أبوابها أمام الصحفيين بكل ترحاب، إدراكًا منها أن الإعلام شريك أساسي في نقل الصورة الحقيقية للرأي العام.
والسؤال الذى يطرح نفسة بقوة ،كيف يصبح البرلمان، الذي يفترض أن يكون نموذجًا في الشفافية والانفتاح، المؤسسة الوحيدة التي تبدو متحفظة أو مترددة في التعامل مع الصحافة؟
في خضم هذه التساؤلات، لا يمكن إلا أن نستحضر بكل تقدير واحترام اسم الدكتور أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس النواب الأسبق، رحمه الله، الذي شهدت الصحافة البرلمانية في عهده أزهى عصورها، لم يكن الرجل مجرد رئيس للبرلمان يدير الجلسات، بل كان رجل دولة يدرك جيدًا قيمة الصحافة ودورها في دعم العمل النيابي وترسيخ الشفافية أمام المجتمع.
نتذكر جميعًا كلماته الواضحة عندما كانت بعض الانتقادات توجه للصحافة تحت قبة البرلمان، حين كان يؤكد بثقة، إن الصحافة شريك أساسي في منظومة العمل البرلماني، وهي أحد أهم أجنحة البرلمان، لأنها تنقل صوت النواب إلى دوائرهم، ولا يمكن أن نتخيل برلمانًا حقيقيًا بدون صحافة.
لم تكن هذه الكلمات مجرد مجاملة عابرة من العالم الجليل الراحل الدكتور أحمد فتحى سرور، بل كانت فلسفة إدارة كاملة انعكست على الواقع داخل المجلس، فقد فتح الدكتور سرور أبواب البرلمان وشرفته أمام الصحفيين دون تمييز بين صحيفة قومية أو حزبية أو مستقلة، وكان يدرك أن قوة البرلمان لا تكمن فقط في التشريع والرقابة، بل في شفافيته أمام الرأي العام.
بل إن الدكتور سرور كان مدافعًا صلبًا عن الصحافة داخل المجلس نفسه، عندما كان بعض النواب يضيقون بالنقد الصحفي، فكان يذكرهم دائمًا بأن الصحافة ليست خصمًا للبرلمان، بل عين المجتمع التي تراقب أداءه وتنقل نبضه إلى المواطنين، وكان حريصًا على أن يرافق الوفود البرلمانية في الخارج عدد من المحررين البرلمانيينوصلت فى بعض الاحيان الى 8 محررين برلمانيين، إيمانًا منه بأن الإعلام جزء أصيل من صورة البرلمان أمام الرأي العام.
ولهذا، فإن المقارنة بين ما كان عليه الحال في تلك الفترة وما تعيشه الصحافة البرلمانية اليوم ،ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل مقارنة تفرضها الوقائع، فبينما كانت الصحافة في عهد الدكتور أحمد فتحي سرور شريكًا أصيلًا في العمل البرلماني، تبدو اليوم وكأنها تقف خلف أبواب مغلقة.
ورغم هذه الصورة التي تثير القلق، فإن الأمل يظل قائمًا في أن تشهد المرحلة المقبلة تصحيحًا لهذا المسار.
نحن ننتظر من المستشار الجليل هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، أن يفتح صفحة جديدة تعيد التوازن إلى العلاقة بين البرلمان والصحافة، وأن يعمل على استعادة الروح التي سادت في العصر الذهبي للدكتور أحمد فتحي سرور في دعمه المتواصل للصحافة البرلمانية.
نعلم ولدينا ثقة وتقديرا واحتراماً للمستشار هشام بدوي بإنة صاحب تاريخ قضائي شامخ ومسيرة مشهود لها بالنزاهة والاستقلال، وهو ما يعكس إيمانًا عميقًا بقيم العدالة وسيادة القانون، وفي القلب منها احترام حرية الصحافة ودورها الوطني، ومن ثم فإن الجميع يثق في قدرته على إعادة الاعتبار للصحافة البرلمانية، وفتح الأبواب أمام المحررين البرلمانيين الجدد، حتى تستعيد هذه المؤسسة العريقة صورتها التي تليق بتاريخها ومكانتها.
ومن هنا نؤكد إن البرلمان القوي لا يخشى الصحافة، بل يعتبرها جناحًا من أجنحته، ينقل صوته إلى الناس ويعكس نبض الشارع إلى قاعة التشريع. وربما يكون فتح هذه الصفحة الجديدة هو الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة، وإعادة ذلك المشهد الذي كان فيه البرلمان والصحافة يقفان معًا في خندق واحد، من أجل الوطن.




















.jpeg)


