الدكتور محمد خليفة يكتب : المجاملات الفاسدة وانهيار المؤسسات
تتحول بعض السلوكيات الاجتماعية البسيطة إلى مشكلات عميقة عندما تخرج عن سياقها الطبيعي ولعل أخطر هذه السلوكيات هي المجاملة حين تتحول من قيمة إنسانية تهدف إلى تهذيب العلاقات إلى معيار حاكم داخل المؤسسات يعلو على الكفاءة والاستحقاق عند هذه اللحظة تحديدًا تبدأ منظومة القيم في التراجع وتبدأ معها ملامح الضعف الإداري في الظهور تدريجيا حتى تصبح جزءًا من الواقع اليومي.
المجاملة في أصلها ليست عيبا بل هي جزء من الذوق العام وأسلوب راق في التعامل بين البشر لكنها تفقد معناها عندما تتحول إلى وسيلة للتغطية على القصور أو لتجاوز المعايير أو لتقديم غير الأكفأ على حساب من يستحق هنا لم تعد المجاملة مجرد سلوك اجتماعي بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل الواقع بشكل غير عادل حيث تختلط العلاقات بالمصالح وتضيع الحدود بين الحق والهوى.
وتكمن الخطورة الحقيقية عندما تصبح المجاملة معيارا غير معلن لاتخاذ القرار داخل المؤسسات سواء في التعيين أو التقييم أو الترقيات أو حتى في توزيع المهام عندها لا يعود الإنجاز هو الأساس بل تصبح العلاقات الشخصية والاعتبارات غير المهنية هي المحدد الأول ومع الوقت يفقد الموظفون الثقة في عدالة النظام ويشعر أصحاب الكفاءة أن جهدهم لا ينعكس على موقعهم الحقيقي داخل المؤسسة.
هذا التحول لا يمر دون أثر فالمؤسسات التي تسمح بتغلغل المجاملات الفاسدة تبدأ تدريجيا في فقدان قدرتها على المنافسة فعندما يمنح موقع المسؤولية لمن لا يملك الأدوات الحقيقية لإدارته تتراجع جودة القرارات وتزداد الأخطاء ويضعف الأداء العام ومع تكرار هذا النمط تتحول الأخطاء الفردية إلى ظاهرة عامة تؤثر على المؤسسة بأكملها.
ومن أخطر النتائج أيضا ما يتعلق بانهيار منظومة التقييم فعندما تضخم الإنجازات بشكل غير واقعي وتستخدم العبارات الإنشائية بدلا من التقييم الموضوعي يصبح من الصعب التمييز بين الأداء الحقيقي والأداء المصطنع ومع الوقت تفقد التقارير والملاحظات قيمتها لأن الواقع لا يعكس ما يكتب أو يقال بل يعكس شيئا مختلفا تماما.
المجاملة حين تتحول إلى معيار تخلق بيئة عمل مضطربة يشعر فيها المجتهد بالإحباط بينما يتقدم غير المؤهلين إلى الصفوف الأولى وهذا الخلل لا يقتل فقط روح العدالة بل يضعف أيضا الحافز الداخلي لدى العاملين لأن العلاقة بين الجهد والنتيجة تصبح غير واضحة أو غير مضمونة.
ولا يمكن إغفال أن بعض أشكال المجاملة الفاسدة تأخذ صورة أكثر خطورة حين تتحول إلى مبالغة في الوصف أو تضخيم في الألقاب أو استخدام لغة لا تعكس الواقع فالتدني في الوصف أو الإفراط في المدح غير المستحق لا يقل خطرا عن سوء الاختيار لأنه يخلق وهما بالإنجاز ويخفي الحقيقة بدلا من إظهارها.
المؤسسات الناجحة تدرك جيدا أن الاستقرار لا يتحقق بالمجاملات بل بالمعايير الواضحة والشفافة فكلما كان التقييم مبنيا على الأداء الفعلي وكلما كانت القرارات تعتمد على الكفاءة وحدها كلما ازدادت قوة المؤسسة وقدرتها على التطوير والاستمرار أما عندما تختلط المعايير فإن النتيجة تكون تراجعا تدريجيا قد لا يلاحظ في البداية لكنه يتفاقم مع الوقت حتى يصبح واقعا صعب التغيير.
ولا يعني رفض المجاملة الدعوة إلى الجفاف في التعامل أو إلغاء الجانب الإنساني داخل المؤسسات بل يعني فقط وضع كل شيء في مكانه الصحيح فالعلاقات الإنسانية مهمة لكنها لا يجب أن تتحول إلى أداة لإدارة العمل أو التأثير على القرارات المهنية التوازن هنا هو الفاصل بين مؤسسة قوية وأخرى متراجعة
وتظل الحقيقة واضحة لا تحتمل التأويل عندما تصبح المجاملة معيارا بدلا من الاستحقاق تتراجع القيم تدريجيا وتفقد المؤسسات قدرتها على ضبط الأداء ويضيع الطريق بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع ولا يبقى في المشهد سوى نتائج لا تعكس الجهد الحقيقي بقدر ما تعكس خللا في المعايير.
كاتب المقال: محمد خليفة ...
مستشار التطـــوير المؤسسي وإدارة المخاطر











.jpeg)


