دار الكتب والوثائق وكلية دار العلوم تحتفيان باليوم العالمي للكتاب عبر استعراض درر التراث المخطوط
أرست الهيئة العامة لـ دار الكتب والوثائق العلميه، بالتعاون مع كلية دار العلوم، دعائم مشهد ثقافي متكامل في ختام "الملتقى العلمي الأول"، الذي انطلق احتفاءً باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وشهدت الجلسة الختامية استعراضًا لمجموعة من الكنوز التحقيقية والموسوعية التي تعكس ريادة الحضارة العربية في مجالات البلاغة، والطب، والصيدلة، وتراجم الأعيان، مؤكدة على دور الكتاب المخطوط كركيزة أساسية لبناء الوعي وحفظ الهوية الوطنية، وانطلقت أعمال الجلسة الثالثة والأخيرة بتسليط الضوء على إسهامات نخبة من الباحثين والمحققين.
شهدت الجلسة الختامية للملتقى العلمي الأول لدار الكتب والوثائق القومية، الذي عُقد بالتعاون مع كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، نقاشات ثرية أدارها الدكتور محمد سليم شوشة، حيث ركزت الكلمات على أهمية إحياء الكتاب التراثي وتفعيل دوره في المشهد الثقافي والبحثي المعاصر.
الملتقى جسرٌ فكري يربط التحقيق بالواقع المعاصر
وأكد الدكتور محمد سليم شوشه، خلال إدارته للجلسة، أن هذا الملتقى الذي أسسه الدكتور أسامة طلعت، رئيس الهيئة، يمثل نقلة نوعية في فلسفة النشر؛ إذ لا يتوقف دوره عند طباعة الكتاب فحسب، بل يمتد ليشمل "رعاية ما بعد النشر" من خلال فحص القيمة العلمية وتعميق الحوار حول الإصدارات.
وأوضح شوشة أن التعاون مع المؤسسات الأكاديمية والجامعات يعد من أهم منجزات الملتقى، كون الأكاديميين هم الفئة الأكثر اشتباكًا مع هذه المراجع العلمية الدقيقة التي تصدرها الدار.
واختتم الدكتور شوشة الجلسة بالتأكيد على أن تظافر جهود دار الكتب مع الكفاءات الأكاديمية يضمن بقاء الكتاب التراثي حيًا وفاعلًا في بناء وعي الأمة، معربًا عن تطلعه لتطوير هذا الملتقى في دوراته القادمة ليكون منصة دورية للاحتفاء بالمؤلفين والمحققين
وقدم الدكتور عبد الرازق حويزي ورقة عمل متعمقة بعنوان: "كتاب مخزون البلاغة: القيمة والمحتوى"، استهلها بالحديث عن الدور الجوهري الذي يلعبه التراث المخطوط في ترسيخ الهوية الإنسانية والحفاظ على الذاكرة المعرفية للأمة.
وانتقل الدكتور حويزي إلى الجانب التحقيقي والموضوعي للكتاب، حيث سلط الضوء على النقاط الجوهرية التالية: قدم عرضًا دقيقًا لإثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه "أبي الفضل الميكالي"، منهيًا بذلك الجدل العلمي حول هذه النقطة.
استعرض حويزي النسخ الخطية المعتمدة في العمل، موضحًا المنهج العلمي الصارم الذي اتبعه في عملية التحقيق لضمان خروج النص في أقرب صورة لما وضعه مؤلفه، وحلل محتوى الكتاب وما يميزه عن المؤلفات البلاغية المشابهة له في عصره، مبرزًا الخصائص الفنية والمنهجية التي تمنحه فرادة داخل المكتبة التراثية.
اختتم ورقة عمله ببيان وجه الحاجة الماسة لهذا الكتاب في الدراسات البلاغية والنقدية الحديثة، مؤكدًا أن إحياء مثل هذه النصوص يمثل إضافة نوعية لمسيرة البحث العلمي المعاصر.
قدم الدكتور وليد مبارك قراءة تحليلية في كتاب "القول الصريح في علم التشريح" للشيخ أحمد الدمنهوري، وهو العمل المتوج بجائزة أفضل كتاب لعام 2019، واعتبر مبارك هذا الكتاب نموذجًا فذًا يعكس ريادة التراث الطبي في الحضارة الإسلامية، ودور المخطوطات المحوري في نقل المعارف وتبسيطها لطلاب العلم داخل الأروقة والمؤسسات العلمية العريقة.
وسلط الضوء خلال محاضرته على ملمح بالغ الأهمية، وهو "تكامل العلوم"، مبرزًا كيف تداخلت العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية في فكر وعقلية علماء الأزهر الشريف، الذين لم يجدوا تعارضًا بين التبحر في الدين والتميز في التشريح والطب. واختتم كلمته بالتأكيد على أن الكتاب التراثي ليس مجرد أثر من الماضي، بل هو ركيزة أساسية تقوم عليها هوية الأمة ويُبنى من خلالها وعيها العلمي الرصين.
مروة الشريف تستعرض "معجم المصطلحات الصيدلانية التراثية": جسرٌ منهجي بين المخطوط والعلم الحديث
استعرضت مروة الشريف، مدير عام النشر بدار الكتب والوثائق، تجربتها العلمية في إصدار كتابها الأحدث "معجم المصطلحات الصيدلانية التراثية"، الصادر عن الهيئة بمراجعة علمية للدكتور محمود مهدي، وأوضحت الشريف أن فكرة المعجم نبعت من رحم المعاناة البحثية أثناء تحقيق المخطوطات المتعلقة بالنباتات الطبية؛ حيث رصدت تشتتًا في تعريف المصطلحات بين المراجع القديمة، مما دفعها لخوض رحلة استغرقت عامين من البحث والتنقيب بين المصادر العربية والأجنبية والوسائط الرقمية.
وأكدت الشريف أنها حرصت في هذا المعجم على تقديم مادة علمية تتسم بالدقة والمنهجية دون الإخلال بالطابع التراثي للنص؛ حيث اعتمدت الترتيب الهجائي للمصطلحات، مع تذييل كل مصطلح بمقابله في اللغة الإنجليزية، واسمه العلمي، وفصيلته النباتية، بالإضافة إلى تعريف شامل يوضح أصل التسمية ووصفها العام.
وأشارت في ختام عرضها إلى أنها اعتمدت على أمهات الكتب لضبط الأسماء اللاتينية، وفي مقدمتها "معجم أسماء النبات" لأحمد عيسى، ليكون المعجم مرجعًا موثوقًا يذلل الصعوبات أمام الباحثين في قراءة وفهم النصوص الصيدلانية التراثية وربطها بالواقع العلمي المعاصر.
استعرض الدكتور حسام أحمد عبد الظاهر، خلال ورقة عمل متخصصة بعنوان "الجائزة التراثية وإصدارات دار الكتب الحاصلة عليها"، خارطة التميز التي رسمتها الدار في مجال تحقيق التراث، وقد استهل كلمته بتحليل دلالي وتاريخي لمفهوم "الجوائز"، مؤكدًا أنها ليست مجرد تكريم معنوي، بل هي أداة استراتيجية للتحفيز والتقدير، تدفع الباحثين نحو إتقان الصنعة العلمية.
وسلط عبد الظاهر الضوء على "جائزة التراث" التي تنظمها الهيئة المصرية العامة للكتاب بالتعاون مع دار الكتب، متتبعًا مسيرتها التاريخية منذ انطلاقها عام 2011م. وكشف عن إحصائية لافتة تعكس ريادة الدار؛ حيث أشار إلى أن عدد الكتب الفائزة بالجائزة خلال 15 عامًا بلغ 13 كتابًا، حصدت منها إصدارات دار الكتب والوثائق النصيب الأوفر بواقع 8 إصدارات، مقابل 5 إصدارات لجهات أخرى، وهو ما يؤكد معايير الدقة العلمية التي تنتهجها الدار في نشر التراث.
"القول الصريح في علم التشريح.. جسر التواصل بين العلوم الشرعية والطبية"
وفي ختام عرضه، انتقل الدكتور حسام إلى الجانب التطبيقي من خلال استعراض تجربته الشخصية التي توجت بالحصول على الجائزة مرتين؛ الأولى عام 2013م عن كتابه "تراث محمد شفيق غربال"، والثانية عام 2026م عن كتابه "رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي".
وقدم الباحث شرحًا تفصيليًا لمنهجه في تحقيق هذين العملين، مبرزًا الأهمية المعرفية لمحتواهما، وما واجهه من تحديات ومنهجية صارمة لضبط النص التراثي، ليكون هذا العرض بمثابة نموذج عملي للأجيال الجديدة من المحققين، ولبيان قيمة التراكم المعرفي الذي تدعمه دار الكتب والوثائق القومية.
تضمنت كلمة الباحث عاطف في الملتقى العلمي لدار الكتب والوثائق القومية عرضًا وافيًا لمحاور وأهمية كتاب (العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان) للمؤرخ النعيمي (ت 927هـ)؛ حيث أكد الباحث أن هذا الكتاب يمثل عصارة خبرات النعيمي العلمية، وآخر مؤلفاته التي لم يسعفه الوقت لتبييض مسودتها، مما يعكس سعة اطلاعه وثقافته.
وأوضح الباحث أن الكتاب يكتسب فرادته من كونه المؤلف الوحيد لمعاصريه الذي اختص بترجمة الفقهاء والعلماء والقضاة الذين سكنوا بلاد الشام أواخر العصر المملوكي، متبعًا في ذلك منهجًا مبتكرًا عبر ترتيب التراجم وفقًا لتاريخ الميلاد بدلًا من الوفاة كما كان شائعًا، كما بين أن الكتاب ينقسم إلى ثلاث طبقات تشمل مشايخ المؤلف، وأقرانه، وتلاميذه، ليصل مجموع التراجم التي أوردها النعيمي واستكملها ابنه يحيى إلى (249) ترجمة، ركزت بدقة على توثيق تاريخ المولد والوفاة باليوم والشهر والعام.
واختتم الباحث كلمته بإبراز الأهمية التاريخية لهذا العمل، كونه سدَّ فراغًا كبيرًا في تراجم علماء تلك الحقبة، وانفرد بذكر أسماء لم توردها المصادر الأخرى، معتمدًا على المشاهدات الحية والروايات الشفوية، كما أشار إلى أن أهمية "العنوان" تتضاعف لكونه الاختصار الوحيد الباقي لكتابين مفقودين للمؤلف، مما يجعله مصدرًا لا غنى عنه ومكملًا للنصوص التاريخية الكبرى التي أرخت لرجال القرنين التاسع والعاشر الهجريين.
واستعرض الباحث أشرف غنام خلال كلمته الإنجاز العلمي الذي حققه مركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية، والمتمثل في فوز الجزء الثالث من موسوعة "نزهة النفوس والأفكار في خواص الحيوان والنبات والأحجار" بجائزة أفضل كتاب محقق في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2025، وأوضح غنام أن هذا العمل الموسوعي الضخم الذي ألفه الشيخ عبد الرحمن بن داود الدمشقي (المتوفى سنة 856هـ)، يتتبع بدقة خواص الحيوان والنبات والأحجار في أقاليم مصر والشام والممالك الإسلامية، حيث جاء الجزء الثالث المحقق ليغطي المواد العلمية المرتبة هجائيًا من حرف الفاء وحتى نهاية المعجم.
وأضاف: المؤلف الدمشقي اعتمد في موسوعته أسلوبًا فريدًا يمزج بين دقة المادة العلمية وعذوبة الصياغة الأدبية، مبتعدًا عن الجفاف المعهود في كتب العلم. الباحث أشرف غنام أشار إلى أن طرافة الكتاب تكمن في عرضه الشامل لكل صنف؛ فالموسوعة لا تكتفي بذكر الاسم العلمي، بل تتطرق إلى البيئات والطباع والفوائد الطبية، مع الاستشهاد بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإيراد حكايات طريفة تؤكد قدرة الله في خلقه.
وأكد أن التحقيق العلمي لهذا الجزء لم يقتصر على ضبط النص فحسب، بل شمل أيضًا إضافة كشافات تحليلية شاملة ومفصلة، مؤكدا أن هذه الكشافات التي ضمت الآيات والأحاديث والأعلام والبلدان والأمراض، تهدف إلى تمكين القارئ والباحث من تصفح مواد الموسوعة والوصول إلى المعلومات المطلوبة بسهولة ويسر، مما يعزز من القيمة المعرفية لهذا العمل التاريخي.





















.jpeg)


