الدكتورة الإعلامية شاهيناز عبد الكريم تكتب : حين ترهق الأرواح
في خضم الحياة المتسارعة، وبين ضغوط العمل وهموم الأيام وتقلبات البشر، أصبح الإنسان يعيش معركة صامتة لا يراها أحد، وجوه تبتسم في الخارج، بينما القلوب في الداخل مثقلة بالتعب والخذلان والقلق، ومع كثرة الانشغال بالماديات، تراجعت مساحات الصفاء في النفوس، وأصبحت المشاعر الطيبة تُقابل أحيانًا بالجفاء، والكلمات الصادقة تُفسَّر بسوء ظن، حتى صار البعض يخجل من نقاء قلبه وسط عالم يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
ومع هذا الزحام، ينسى الإنسان حقيقة مهمة، وهي أن الروح أيضًا تتعب كما يتعب الجسد، وأن النفس تحتاج إلى من يداويها ويمنحها السلام، فكما نحرص على نظافة أجسادنا كل يوم، يجب أن نحرص على تطهير أرواحنا من الحزن والضيق والقسوة واليأس، لأن القلب حين يمتلئ بالهموم يفقد قدرته على الاحتمال، مهما بدا صاحبه قويًا أمام الناس.
ولهذا كانت العبادة رحمة من الله بعباده، لا مجرد أوامر وواجبات، فالذكر ينعش القلب، والصلاة تمنح الروح راحة لا تشبهها أي راحة، والصيام يعلم الإنسان الصبر والرحمة وصفاء النفس، وحين يقترب الإنسان من ربه، يشعر وكأن شيئًا بداخله يعود إلى الحياة من جديد، وكأن الروح تغتسل من تعب الدنيا وأوجاعها.
وقد لخّص الله هذه الحقيقة العظيمة في قوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
فلا المال وحده يصنع السعادة، ولا المناصب تمنح الإنسان السلام، لأن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي إلا من قلب عرف طريقه إلى الله، وكم من إنسان يملك كل شيء لكنه يعيش قلقًا دائمًا، وكم من شخص بسيط امتلأت روحه رضا وسكينة لأنه تعلّق بالله وأدرك أن الراحة الحقيقية تبدأ من الداخل.
إن الصلاة ليست مجرد دقائق نؤديها ثم ننشغل بعدها بالدنيا، بل هي محطة راحة وسط صخب الحياة، يخلع فيها الإنسان همومه مؤقتًا ويقف بين يدي الله طالبًا الرحمة والسكينة. أما الصيام، فهو مدرسة أخلاقية وروحية تعيد للنفس توازنها، وتُعلّم الإنسان كيف ينتصر على شهواته وغضبه وأنانيته.
وفي زمن أصبحت فيه الضغوط أكبر من قدرة كثير من البشر على الاحتمال، باتت الحاجة إلى الطمأنينة ضرورة وليست رفاهية، فالإنسان لا يستطيع أن يواصل طريقه وسط هذا العالم القاسي إلا إذا امتلك قلبًا مطمئنًا وروحًا متصلة بالله.
لذلك، علينا أن نمنح أرواحنا بعض الاهتمام، وأن نطهر قلوبنا دائمًا من الكراهية واليأس وسوء الظن، وأن نجعل للذكر مكانًا ثابتًا في يومنا، وللصلاة حضورًا صادقًا في حياتنا، لأن النفس حين تقترب من الله تصبح أكثر هدوءًا وصفاءً وقدرة على مواجهة قسوة الدنيا مهما اشتدت الأزمات وتعقدت الأيام.




















.jpeg)


