محطات في مسيرة صانع البهجة أمين الهنيدي
تحل اليوم ذكرى وفاة الفنان القدير أمين الهنيدي، أحد أبرز قامات الكوميديا في مصر خلال عصرها الذهبي، والذي امتلك أسلوباً فريداً في الأداء اعتمد على خفة الظل التلقائية والحضور المسرحي الطاغي، تاركاً خلفه إرثاً فنياً غنياً بالعديد من الأفلام والمسرحيات والمسلسلات التي لا تزال تنبض بالبهجة في قلوب الجماهير حتى يومنا هذا.
البدايات والتحول من الرياضة إلى الفن
بدأ الشغف الفني لدى أمين الهنيدي مبكراً خلال دراسته في مدرسة شبرا الثانوية حيث انضم إلى فرقة التمثيل بها، ورغم تنقله اللاحق بين كليتي الآداب والحقوق، إلا أنه استقر في نهاية المطاف بالمعهد العالي للتربية الرياضية وتخرج فيه عام 1949 ليعمل مدرساً للمادة، لكن مسيرته في التدريس لم تدم طويلاً أمام بريق الفن، ففي عام 1939 انضم إلى فرقة الفنان الكبير نجيب الريحاني وشارك معها في مسرحية واحدة، ثم سافر عام 1954 إلى السودان والتقى هناك بالفنان محمد أحمد المصري الشهير بشخصية "أبو لمعة"، حيث أثمر هذا اللقاء عن تكوين فرقة مسرحية بالنادي المصري في الخرطوم.
أمين الهنيدي
الانطلاقة الحقيقية وقطار النجومية
شهدت عودة الهنيدي إلى القاهرة بدايته الحقيقية خاصة بعد لقائه بالفنان عبد المنعم مدبولي والمؤلف يوسف عوف، حيث شارك معهما في البرنامج الإذاعي الشهير "ساعة لقلبك"، وانضم بعدها إلى فرقة تحية كاريوكا ثم إلى مسرح التلفزيون لتتوالى أعماله، حيث قدم للسينما أفلاماً بارزة مثل حماتي ملاك، والأزواج والصيف، وللنساء فقط، ومنتهى الفرح، وزوجة ليوم واحد، وزوجة من باريس، وجدعان حارتنا، و6 بنات وعريس، وسيد درويش، وحارة السقايين، وغرام في الكرنك، وغازية من سنباط. كما تميز في الدراما التلفزيونية بمسلسلات منها لعبة التفكير، وزيارة ودية، وللزمن بقية، وعفراء البادية، وغلطة قلم، والسندباد، وأدرك شهريار الصباح، والجزء الخامس من مسلسل محمد رسول الله، بينما خلد اسمه في المسرح بأعمال شهيرة مثل أصل وصورة، ولوكاندة الفردوس، وحلمك يا سي علام، وجوزين وفرد، وغراميات عفيفي، وعبود عبده عبود، وأجمل لقاء في العالم.
أمين الهنيدي
"الشيخ حسن".. المنعطف التاريخي في مسيرته
في لقاء إذاعي قديم مع الإعلامي وجدي الحكيم، تحدث الهنيدي عن ارتباطه العميق بشخصية "الشيخ حسن" في مسرحية "شفيقة القبطية" للمؤلف الراحل أمين صدقي، مؤكداً أن الشخصية لم تكن مجرد دور عابر بل مثّلت القفزة الإبداعية التي نقلته إلى مصاف النجومية المطلقة ولفتت أنظار النقاد إلى موهبته العميقة بعد أن تألق في أداء الدور لدرجة جعلت الجمهور يعتقد أنه كفيف في الحقيقة، وقد تميزت هذه الشخصية بكسرها للصورة النمطية للشخص الكفيف عبر تقديمه كإنسان هجومي وانتهازي يأخذ حقه بيده، وهو ما ثبّت أقدام الهنيدي على خشبة المسرح وجعل هذا الدور الأقرب إلى قلبه.
أمين الهنيدي
صانع البهجة من الآلام الإنسانية
لم تخلُ حياة صانع البهجة من الآلام الإنسانية، إذ مر بمحطة قاسية عندما كان يعكف مع زميله الفنان محمد يوسف على كتابة أحد الأعمال بينما كانت والدته تمر بأزمة صحية حرجة، فبذل جهداً مضاعفاً لتأمين نفقات علاجها وفي قمة انشغاله تلقى الخبر الصادم بوفاتها، وهو موقف يجسد كيف كان عشقه للمسرح حتى في أحلك ظروفه الشخصية.
أمين الهنيدي
نهاية حزينة
ورغم مسيرته الحافلة بإسعاد الملايين، جاءت النهاية حزينة تليق بتراجيديا الفن، حيث غيّب الموت الفنان القدير يوم الخميس 3 يوليو 1986 عن عمر ناهز 60 عاماً بعد ساعات قليلة من انتهائه من تصوير فيلمه الأخير "القطار"، ورحل الهنيدي بعد صراع مرير مع سرطان المعدة، وفي مفارقة مؤلمة اضطرت أسرته لجمع المال لدفع نفقات المستشفى المتبقية لكي يتمكنوا من استلام جثمانه بعد أن نفدت مواردهم المالية تماماً خلال رحلة علاجه الطويلة.























