بوابة الدولة
الثلاثاء 21 يوليو 2026 08:59 مـ 5 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب: التليفزيون المصري.. صوت ثورة يوليو وذاكرة الوطن وحصن الوعي وصانع القوة الناعمة

المستشار محمد سليم
المستشار محمد سليم

لم يكن انطلاق التليفزيون المصري في مساء الحادي والعشرين من يوليو عام 1960 حدثًا إعلاميًا عابرًا، بل كان إعلانًا عن ميلاد مشروع وطني ارتبط ارتباطًا وثيقًا بمبادئ ثورة الثالث والعشرين من يوليو، التي آمنت بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المصانع والسدود والجامعات. ومنذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها عبارة "هنا القاهرة.. التليفزيون العربي"، بدأ فصل جديد في تاريخ الإعلام المصري والعربي، لتصبح الشاشة المصرية منبرًا للثقافة والمعرفة والتنوير، وواحدة من أهم أدوات القوة الناعمة في المنطقة.

لقد جاءت فكرة إنشاء التليفزيون المصري امتدادًا لحلم بدأ منذ عام 1947، عندما أجرت الشركة الفرنسية لصناعة الراديو والتليفزيون أول تجربة للإرسال من سنترال باب اللوق خلال احتفالات الزواج الثاني للملك فاروق، وظهر حينها نقيب الصحفيين الراحل حافظ محمود على الشاشة لأول مرة. إلا أن المشروع الحقيقي لم ير النور إلا بعد قيام ثورة يوليو، عندما تقدم الصاغ صلاح سالم بمشروع إنشاء محطة تليفزيونية إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي وافق فورًا وكلف المهندس صلاح عامر، وكيل الإذاعة للشؤون الهندسية، بتنفيذ المشروع، لتبدأ الدولة رحلة بناء صرح إعلامي أصبح فيما بعد أحد أهم رموز مصر الحديثة.

ورغم تعطل المشروع بسبب العدوان الثلاثي عام 1956، فإن الإرادة المصرية انتصرت، وتم اختيار شركة R.C.A الأمريكية لتنفيذ المشروع، ليخرج إلى النور في زمن قياسي، وينطلق البث الرسمي في 21 يوليو 1960، تزامنًا مع احتفالات الثورة، في رسالة واضحة تؤكد أن الإعلام جزء أصيل من مشروع الدولة الوطنية.

بدأ التليفزيون المصري بثه بتلاوة مباركة للقرآن الكريم بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي، ثم نقل افتتاح مجلس الأمة، وخطاب الرئيس جمال عبد الناصر، ونشيد "وطني الأكبر"، ثم نشرة الأخبار، قبل أن يختتم الإرسال بالقرآن الكريم. وبعدها أصدر محمد أمين حماد، رئيس مجلس إدارة هيئة الإذاعة المصرية، أول قرار بإنشاء الإدارة العامة للإذاعة المرئية، ليبدأ عصر جديد للإعلام المصري.

ومنذ تلك اللحظة، لم يكن التليفزيون مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح مدرسة وطنية خرجت أجيالًا من الإعلاميين الذين صنعوا وجدان المشاهد العربي، وفي مقدمتهم سلوى حجازي، وأماني ناشد، وسامية الإتربي، وحمدي قنديل، وليلى رستم، وسهير الأتربي، وفايزة واصف، وسناء منصور، وهند أبو السعود، وسمير صبري، وطارق حبيب، والدكتورة درية شرف الدين، وقطب عبد السلام، وأحمد فراج، وغيرهم من القامات التي أرست قواعد الإعلام المهني الرصين.

كما كان التليفزيون المصري منصة لكبار المفكرين والعلماء والدعاة، فخلدت ذاكرة المصريين برامج مثل "العلم والإيمان" للدكتور مصطفى محمود، وأحاديث الشيخ محمد متولي الشعراوي، وبرنامج "نور على نور" للإعلامي أحمد فراج، إلى جانب برامج ثقافية وترفيهية ورياضية شكلت وجدان أجيال كاملة.

وعلى صعيد الدراما، قدم التليفزيون المصري أعمالًا أصبحت جزءًا من الهوية الثقافية العربية، مثل ليالي الحلمية، ورأفت الهجان، وأرابيسك، والشهد والدموع، كما رسم البهجة على وجوه الملايين من خلال فوازير رمضان مع نيللي وشيريهان، وقدم للأطفال شخصية بكار التي أصبحت رمزًا للطفولة المصرية.

ولم يتوقف دور ماسبيرو عند حدود الفن والثقافة، بل كان شريكًا في معارك الوطن، ناقلًا لصوت المصريين في لحظات الانتصار والتحديات، ووثق حرب الاستنزاف، ونصر أكتوبر، ومشروعات التنمية، وأصبح أرشيفه المصور سجلًا حيًا لتاريخ مصر السياسي والاجتماعي والثقافي.

وشهدت العقود التالية توسعًا كبيرًا، بدءًا من إطلاق القناة الثانية، ثم إدخال البث الملون في 9 سبتمبر 1976، وإنشاء اتحاد الإذاعة والتليفزيون عام 1970، ثم التوسع في القنوات الإقليمية التي خاطبت أبناء الدلتا والقناة والصعيد، حتى وصلت رسالة التليفزيون إلى كل شبر من أرض مصر، ثم انطلقت الفضائية المصرية مع عصر نايل سات لتصل الرسالة الإعلامية المصرية إلى العالم.

واليوم، ورغم ثورة التكنولوجيا ومنصات البث الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ما زال التليفزيون المصري يحتفظ بمكانته التاريخية، مستندًا إلى أكبر أرشيف مرئي في الشرق الأوسط، بينما تعمل الهيئة الوطنية للإعلام على مشروع طموح للتحول الرقمي وترميم هذا التراث وحفظه للأجيال القادمة، مع تطوير الاستديوهات وإنتاج محتوى يواكب العصر دون التفريط في الهوية الوطنية.

إن الاحتفال بذكرى انطلاق التليفزيون المصري ليس احتفاءً بجهاز أو شاشة، وإنما احتفاء بمؤسسة وطنية حملت رسالة التنوير، وكانت لسان حال الدولة المصرية، وصوت ثورة الثالث والعشرين من يوليو، ومرآة المجتمع، وجسرًا للتواصل بين أبناء الوطن. وسيظل "ماسبيرو" رمزًا للإعلام الوطني، وعنوانًا لريادة مصر الثقافية، مهما تغيرت الوسائل وتبدلت التكنولوجيا، فتبقى عبارة "هنا القاهرة" شاهدًا خالدًا على تاريخ صنعته إرادة وطن، ورسالة إعلام حملت نور المعرفة إلى ملايين العرب.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية، وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

موضوعات متعلقة