الكاتب الصحفى محمد طلعت يكتب:عيد النصر فى تركيا ..ملحمة تاريخية تتجدد بروح وطنية

تحتفل جمهورية تركيا في ال30 من أغسطس من كل عام بذكرى عيد النصر، ذلك اليوم الذي يمثل محطة مفصلية في تاريخها الحديث، وفي هذا العام، تأتي الذكرى الـ103 محمّلة بخصوصية كبيرة، إذ تعكس عمق التلاحم بين الدولة والشعب وتجدد العهد على صون الإرث التاريخي وصناعة مستقبل يليق بمكانة تركيا الإقليمية والدولية.
ان عيد النصر أكثر من مجرد ذكرى عسكرية، فهو رمز للتحرر الوطني والإرادة الشعبية التي رفضت الاستسلام أمام قوى الاحتلال. فقد مثّل الانتصار في معركة دوملوبونار تتويجًا لسلسلة من النضالات التي قادتها الحركة الوطنية التركية ضد محاولات تقسيم البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد مرور أكثر من قرن، لا يزال هذا اليوم يعكس روح التضحية والعزيمة التي تميز بها الشعب التركي، ويؤكد على قدرة الأمة على تجاوز التحديات وصون استقلالها.
تشهد العاصمة أنقرة وإسطنبول وبقية الولايات التركية احتفالات مهيبة بهذه المناسبة، حيث تجرى المراسم الرسمية في ضريح مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ، بمشاركة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وكبار المسؤولين .، و وضع أكاليل الزهور على الضريح في أجواء تسودها المهابة الوطنية، فيما تعزف الفرق الموسيقية العسكرية الأناشيد الوطنية.
كما تنظم القوات المسلحة عروضًا عسكرية في عدد من المدن الكبرى، تستعرض خلالها أحدث المعدات الدفاعية والقدرات التكنولوجية التي وصلت إليها الصناعات العسكرية الوطنية، في رسالة تؤكد أن روح النصر التي تحققت قبل 103 أعوام ما زالت حاضرة في بناء جيش قوي قادر على حماية البلاد وصون مكتسباتها.
و تشهد الميادين العامة احتفالات موسيقية وعروضًا فنية وفلكلورية، يشارك فيها المواطنون من مختلف الأعمار، حاملين الأعلام التركية ومرتدين الملابس التقليدية. كما تضيئ أبرز المعالم الأثرية والتاريخية في إسطنبول وإزمير وأنقرة بألوان العلم التركي الأحمر والأبيض، ما يضفى على الأجواء طابعًا وطنيًا احتفاليًا مميزًا.
وأكد الرئيس التركي أن عيد النصر يمثل شهادة تاريخية على وحدة الشعب وإصراره على الدفاع عن أرضه وحريته، مشيرًا إلى أن النصر الذي تحقق عام 1922 لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان انتصارًا لإرادة أمة بأكملها. وشدد على أن تركيا اليوم تواصل السير على خطى مؤسسي الجمهورية، متمسكة بمبادئ الاستقلال والسيادة، وماضية في تحقيق التنمية الشاملة وتعزيز مكانتها على الساحتين الإقليمية والعالمية.
كما دعا الرئيس إلى ضرورة استلهام دروس الماضي في مواجهة التحديات الراهنة، وفي مقدمتها التحديات الاقتصادية والإقليمية، مؤكداً أن التلاحم الوطني هو السبيل لتجاوز الأزمات وتحقيق الأهداف الكبرى لتركيا في مئويتها الثانية.
ولا تقتصر أجواء الاحتفال على الداخل التركي فقط، بل تمتد إلى بعثات تركيا الدبلوماسية في الخارج، حيث تنظم السفارات والبعثات القنصلية احتفالات خاصة بهذه المناسبة، وعلى رأسها السفارة التركية بالقاهرة يشارك فيها شخصيات سياسية وثقافية واعلامية من مختلف الدول. وقد أكد العديد من قادة العالم تهانيهم لتركيا في هذه الذكرى، مشيدين بدورها المحوري في تعزيز الاستقرار الإقليمي وإسهاماتها في القضايا الدولية.
وأولت الحكومة التركية اهتمامًا خاصًا بمشاركة الشباب في هذه الاحتفالات، حيث نظمت الجامعات والمدارس أنشطة تثقيفية ومعارض صور ووثائق تاريخية تحكي قصة النضال الوطني. وتهدف هذه المبادرات إلى ترسيخ الذاكرة الوطنية لدى الأجيال الجديدة، وتعريفهم بقيمة النصر الذي صنع مستقبل الدولة التركية.
كما أطلقت مؤسسات إعلامية ووطنية حملات توعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسم #عيد_النصر_103، حيث شارك ملايين المواطنين صورًا ومقاطع فيديو تحمل رسائل الفخر والاعتزاز بتاريخهم.
ونؤكد ان عيد النصر، بعد 103 أعوام،يمثل تأكيدًا على أن إرادة الشعوب قادرة على تغيير مجرى التاريخ، وأن التضحية والفداء هما السبيل نحو الاستقلال والسيادة. فكما كان عام 1922 بداية لتأسيس الجمهورية الحديثة، فإن تركيا اليوم تنظر إلى هذه المناسبة كحافز لتعزيز رؤيتها نحو المستقبل،
وتواصل تركيا استثمار روح هذا النصر في تقوية وحدتها الداخلية وتعزيز مكانتها الدولية، مستندة إلى إرث تاريخي زاخر وتجربة وطنية ملهمة جعلت منها نموذجًا في الصمود والتحول إلى دولة إقليمية مؤثرة ذات ثقل استراتيجي.