تخاريف صيام .. حكايات حارتنا ( ١٧ ) حارة ” المبيضة ” .. شاهدة على البطل القومى ” حجاج الخضرى ”
لا زلنا نغوص فى نهر المتعة والسحر والجمال .. نتجول بين شوارع وحوارى مصر المحروسة نستمتع بنسماتها العليلة وحكاياتها المثيرة .. ونصل اليوم إلى حارة تاريخية عريقة كانت المحطة الأخيرة فى حياة مناضل مصرى عظيم راح ضحية لمواقفه الفدائية النبيلة.
نحن الآن فى حارة " المبيضة " المتفرعة من شارع الجمالية التى سميت بهذا الإسم نسبة إلى حرفة " تبييض النحاس " التى أشتهر بها سكان هذه الحارة قديماً.
عند دخول هذه الحارة العريقة لابد من المرور بأحد القباب التاريخية العظيمة ، وهو قبو تابع لسبيل " أوده باشا " الذى أنشئه الأميران ذو الفقار وكتخدا مستحفظان وأخوه محمد سنة ١٦٧٣ م ، وقد كانا من كبار القادة العسكريين فى تلك الحقبة.
شهد هذا السبيل الذى يحتل ناصية حارة المبيضة واقعة مثيرة حيث تم على جدرانه تنفيذ حكم الإعدام بأحد الزعماء الوطنيين ويدعى " حجاج الخضرى " .. ذلك الرجل الذى كانت له هيبة قوية فهو طويل القامة ذو شارب كثيف و كان شيخا على طوائف الخضرية _ تجار الخضراوات _ وليس " فتوة الحارة " كما يُقال وهو من أبرز من قاموا الحملة الفرنسية ، وكان لقبه " بطل الرميلة " وكانت لديه قدرة كبيرة فى الحشد وكلمته مسموعة لدى الجميع ليس فى منطقة القلعة التى ذائع الصيت فيها فحسب بل فى مختلف الأحياء فقد كانت له شخصية قوية ودائما ما كان يحلم بأن يتولى عرش مصر واحد من المصريين.
كان حجاج الخضرى أول من نظم و قاد الثورات ضد طغيان الفرنسيس ، وكان من المقربين للسيد عمر مكرم نقيب الأشراف والذين لعبوا دور أساسى فى تولية محمد على باشا والذى إنقلب عليهم بكل خسة ووضاعة وأراد الإطاحة بهم للإنفراد بالسلطة فثاروا عليه سنة ١٨٠٩ م ، وكان للخضرى دور بارز فى هذه الثورة الشعبية.
على الفور بدأ محمد على فى التنكيل بالقيادات الشعبية وهرب الخضرى لينجو بنفسه ، وبعد بضع سنين حصل على الأمان من الوالى وظهر مرة أخرى فى القاهرة ، ولكن طالته سياسة الغدر التى كان يتبعها محمد على باشا ، وتم القبض على المناضل الوطنى الكبير فى ميدان الرميلة بمنطقة القلعة _ ميدان صلاح الدين حالياُ _ ، وحتى يكون عبرة للآخرين ورسالة إرهاب وتخويف للشعب قرر محمد على إعدامه شنقاً أمام الجميع فى شارع حيوى مثل شارع الجمالية وعلى جدران سبيل شهير وعلى بوابة حارة عريقة ، وذلك فى ليلة الخميس الذى يوافق هذا اليوم السابع عشر من شهر رمضان ولكن سنة ١٢٠٨ هجرية تقريبا / ١٨١٧ م ، لتنتهى مسيرة بطل شعبى كبير عاش مناضلاً ، ومات شامخاً.
لم تنته بعد ملحمة الخضرى فقد ظل جثمانه معلقا على باب الحارة يوما كاملا ، وحين عرف أهالى حارة المبيضة الشرفاء قصة هذا الرجل العظيم وأنه بطل الرميلة الذى كان صيته قد وصل إليهم ، أعلنوا التحدى لجنود محمد على وقاموا بإنزال جسده الطاهر وأكرموا مثواه ودفنوه فى مكان غير مجهول.
ونعود إلى هذه الحارة التى تمثل بقعة ساحرة من أرض مصر المحروسة العامرة بالروايات المشوقة والتى فيها يتجلى التاريخ العظيم ، فما زالت الحارة تحتفظ ببعض الورش التى تعمل فى النقش على النحاس وصناعة المشغولات المعدنية ، وبعض من الأهالى يعمل فى تجارة العطارة والتوابل والأعشاب كما يشارك سكان الحارة فى إنتاج التحف والهدايا التذكارية التى تباع فى أشهر أسواق مصر وهو سوق خان الخليلى.
من الروايات الطريفة عن هذه الحارة أن سكانها كانوا قديما يوصون كل من يأتى زائرا إليها بألا يرتدى الزى الأسود لأنه هذا الزى سوف يتحول لونه إلى الأبيض بسبب تبييض النحاس ومن شدة تصاعد الأبخرة والغبار الناتج عن عملية التبييض.
كانت حارة المبيضة تشهد مواقف احتفالية مهيبة عند ثبوت رؤية هلال رمضان ، حيث كان شيوخ الحرف فى الحارة يخرجون فى مواكب تتقدمها الطبول ، وتُضاء الفوانيس النحاسية التي صنعتها ورش الحارة خصيصاً لهذه المناسبة الجليلة.




















.jpeg)


