الدكتور سمير غطاس يكتب: جولة المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران .. استعراض سياسي وحسابات الربح والخسارة
في قراءة متأنية لجولة المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، يمكن القول إن ما جرى لم يكن تفاوضًا حقيقيًا بقدر ما كان مشهدًا سياسيًا محسوبًا بدقة، تحكمه اعتبارات الربح والخسارة أكثر مما تحكمه إرادة الوصول إلى اتفاق. فالمفاوضات التي استمرت ليوم ونصف بين واشنطن وطهران، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات وسيطة، لم تحمل في طياتها أي مؤشرات جدية على إمكانية التوصل إلى تسوية، بل بدت وكأنها مجرد محاولة لملء الفراغ السياسي وإدارة الأزمة لا حلها.
من هنا، تبرز حقيقة أن بعض الأطراف لم تدخل هذه الجولة بنية حقيقية للتوصل إلى نتائج. وفي مقدمة هذه الأطراف، يظهر دونالد ترامب، الذي بدا وكأنه يشارك في المفاوضات تحت ضغط داخلي، لا عن قناعة سياسية بجدوى التفاوض. فالمشهد يوحي بأن القرار لم يكن قرارًا تفاوضيًا بقدر ما كان استجابة لتوازنات داخلية أمريكية، تسعى إلى إبقاء خطوط التواصل مفتوحة دون تقديم تنازلات حقيقية.
اللافت أن الولايات المتحدة، في ظل هذا الوضع، لا تبدو متضررة من استمرار التوتر، بل على العكس، تحقق مكاسب اقتصادية واضحة. فكلما اشتدت الأزمات، أعادت أسواق الطاقة ترتيب أوراقها، لتجد واشنطن نفسها في موقع المستفيد الأول، عبر تصدير الغاز الطبيعي المسال والنفط بأسعار مرتفعة، وهو ما يدر مليارات الدولارات ويعزز من نفوذها الاقتصادي عالميًا.
وبالتالي، فإن غياب الاستعجال الأمريكي للوصول إلى اتفاق يصبح مفهومًا في ضوء هذه المكاسب. فالوضع الحالي، رغم ما يحمله من توتر، يظل “مربحًا” بالنسبة لواشنطن، التي تفضل إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.
أما فيما يتعلق بمضيق هرمز، فإن الواقع يكشف عن مفارقة مهمة. فالممر الملاحي الحيوي مفتوح عمليًا، وحركة التجارة مستمرة، دون الحاجة إلى اتفاق رسمي يضمن ذلك. وهو ما يعكس حالة من التوازن الدقيق، حيث يتم الحفاظ على مستوى معين من التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تضر بجميع الأطراف.
في المقابل، تعكس المفاوضات التي جرت في باكستان تحولًا لافتًا في بنية القرار داخل إيران. فالدخول في مفاوضات مباشرة يشير إلى تراجع نسبي في قبضة مؤسسة “الولي الفقيه”، وهو تراجع لا يرتبط فقط بالوضع الصحي للمرشد، بل يمتد إلى تآكل مكانته الدينية داخل الحوزة العلمية، حيث لم تعد مرجعيته تحظى بنفس الإجماع الذي كانت عليه في السابق.
هذا التحول أفسح المجال أمام قوى أخرى، وعلى رأسها الحرس الثوري، لتعزيز دورها في صناعة القرار، وهو ما انعكس على طبيعة التحركات السياسية، بما في ذلك القبول بخوض مفاوضات مباشرة خارج الأطر التقليدية.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق العسكري الأوسع، خاصة ما يُعرف بـ”حرب الأربعين يومًا”، التي أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة. فالتغيرات العسكرية التي فرضتها هذه المواجهة لم تترجم حتى الآن إلى مكاسب سياسية واضحة، وهو ما يعيد طرح السؤال الكلاسيكي في علم السياسة: هل يكفي الانتصار العسكري لتحقيق النصر السياسي؟
التجارب التاريخية تؤكد أن الإجابة ليست بالضرورة نعم. فكم من قوة انتصرت في الميدان، لكنها عجزت عن ترجمة هذا الانتصار إلى واقع سياسي مستقر. فالحرب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تبدأ بعدها معركة أكثر تعقيدًا، هي معركة بناء السلام وترسيخ المكاسب.
ومن هنا، يظل السؤال معلقًا في وجه القوى الفاعلة في هذا المشهد، وعلى رأسها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي حقيقي؟ وهل تكفي لغة القوة وحدها لصناعة السلام؟
الإجابة، بطبيعة الحال، ليست سهلة. لكنها تبدأ من إدراك أن المفاوضات الشكلية لا تصنع حلولًا، وأن إدارة الصراع قد تكون مربحة على المدى القصير، لكنها تظل محفوفة بالمخاطر على المدى الطويل.
في النهاية، ما نشهده اليوم ليس سوى فصل جديد من لعبة الأمم، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد، وتتقاطع المصالح مع الصراعات، ويبقى المواطن العادي هو الخاسر الأكبر، في انتظار لحظة صدق نادرة، قد تتحول فيها المفاوضات من مجرد استعراض إلى خطوة حقيقية نحو السلام.









.jpeg)


