االكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : ياليت الزمان يعود يوماً
“قول للزمان عُد يا زمان”، ليست مجرد عبارة عابرة نرددها بدافع الحنين، بل هى حالة وجدانية كاملة، صرخة من قلبٍ مثقل بتغيرات متسارعة، وذاكرة ترفض أن تُغلق أبوابها على زمن كان أكثر بساطة وصدقًا ودفئًا، زمن كانت فيه الحياة أقل تعقيدًا وأكثر إنسانية، حيث كانت العلاقات تُبنى على المودة لا المصلحة، وعلى القرب لا العزلة، وعلى الكلمة الطيبة قبل أي حسابات أخرى
نقف اليوم أمام سؤال لا يغيب عن الوجدان، هل يمكن أن نعود كما كنا، هل يمكن أن يستعيد المجتمع ملامح زمن كانت فيه الجيرة قيمة، وصلة الرحم عادة، والاحترام سلوكًا يوميًا لا يحتاج إلى تذكير أو قوانين، في الماضي كان الجار يعرف جاره، يشاركه تفاصيل يومه، يطمئن عليه دون موعد، كانت البيوت مفتوحة بالحب لا بالأقفال، وكانت الأسرة كيانًا متماسكًا يجمعه الحوار قبل أن تفرقه الشاشات والهواتف والانشغالات.
كانت الشوارع أكثر هدوءًا رغم بساطتها، وكانت الضوضاء أقل رغم قلة الإمكانيات، وكانت القلوب أقرب رغم بعد المسافات، لم يكن هناك هذا الزحام النفسي الذي نعيشه اليوم، ولا هذه العزلة وسط التجمعات، كانت الحياة تمضي بإيقاع أبطأ لكنه أصدق وأعمق أثرًا، وكان الكبير كبيرًا بمكانته وهيبته، والصغير يتعلم معنى الاحترام من نظرة قبل أن يتعلمه من نصيحة
وإذا انتقلنا من المجتمع إلى عالم الكلمة والصحافة، يبرز سؤال لا يقل إلحاحًا، هل يمكن أن تعود الكلمة كما كانت، قوية كالرصاصة في صدقها وتأثيرها، واضحة في موقفها، جريئة في طرحها، كما كانت في عصور عمالقة الصحافة، هل يمكن أن يعود زمن مدرسة الكبار الذين صنعوا الوعي العام وكتبوا التاريخ بحبر الموقف قبل حبر الكلمات، أسماء بحجم محمد حسنين هيكل، ومصطفى أمين، وعلي أمين،وإبراهيم نافع وسمير رجب، وإبراهيم سعدة، وصلاح قبضايا ،ومصطفى شردي، وغيرهم ممن جعلوا من الكلمة قوة تأثير لا مجرد خبر عابر
وفي السياق نفسه يطرح السؤال نفسه على الحياة النيابية، هل يمكن أن تعود المعارضة البرلمانية كما كانت، معارضة حقيقية فاعلة، لا شكلية ولا هامشية، هل يمكن أن نرى نوابًا بحجم وقيمة من صنعوا المشهد البرلماني بروح الجرأة والاختلاف، مثل علوى حافظ، فكرى الجزار، كمال أحمد، أبوالعز الحريرى، والمستشار ممتاز نصار، وأحمد طه، وسيد رستم، وحمدى الطحان ، والبدرى فرغلى ، ورجب هلال حميدة ، وعبد الحميد كمال ومحمد خليل قويطة وسمير غطاس ،وغيرهم ممن تركوا بصمة لا تُنسى في تاريخ الحياة النيابية، حيث كان النقاش حادًا لكن راقيًا، والخلاف سياسيًا لكنه منضبطًا في إطار المصلحة العامة
ثم نصل إلى زمن الفن الجميل، ذلك العالم الذى كان فيه الصوت وجدانًا قبل أن يكون أداءً، كانت أم كلثوم حالة فنية وإنسانية تتجمع حولها القلوب كل خميس، وكان عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ومحرم فؤاد وسيد مكاوى يصنعون وجدان أمة، وكانت نجاة الصغيرة تهمس للحب، وفايزة أحمد تملأ البيوت دفئًا، ووردة الجزائرية تزرع الإحساس في كل بيت عربي، كان الفن رسالة لا ضجيج فيها، وكلمة تُقال لتبقى لا لتُستهلك.
أين هو ذلك الجمهور الذي كنا نراه يومًا ما يجلس في خشوع أمام الفن الحقيقي، أمام صوت أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، جمهور كان يتذوق قبل أن يحكم، ويستمع قبل أن ينتقد، ويعيش الحالة الفنية بكل إحساسه ووجدانه، لا مجرد متفرج عابر؟
أين ذهب جمهور الطرب الأصيل الذي كان يصمت احترامًا للكلمة والنغمة، ويجعل من الحفلة حالة وجدانية راقية، مقارنة بما نشهده اليوم في بعض المشاهد العامة من تراجع في الذوق والسلوك، وظهور مظاهر من المبالغة في الاستعراض، والاختلاط غير المنضبط، وسلوكيات صاخبة لا تعكس ذلك الوقار الذي كان يميز المشهد الفني والاجتماعي في السابق؟
إننا أمام تحولات واضحة في الذوق العام والسلوك الاجتماعي؛ فبينما يراها البعض تطورًا طبيعيًا وانفتاحًا على أشكال جديدة من التعبير، يراها آخرون ابتعادًا تدريجيًا عن القيم الجمالية الهادئة، وعن حالة الاتزان التي كانت تميز المجتمع في فترات سابقة.
واليوم يتكرر السؤال بمرارة، هل يمكن أن يعود هذا كله، هل يمكن أن نستعيد نفس الإحساس ونفس الصدق ونفس الروح، أم أن التحولات الاجتماعية والثقافية غيّرت الذائقة إلى الأبد، أين جمهور الطرب الأصيل الذى كان يجلس في خشوع أمام أم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش، يستمع قبل أن يحكم، ويتذوق قبل أن ينتقد، جمهور كان جزءًا من التجربة لا مجرد متلقٍ عابر
إن الواقع اليوم يكشف عن تغيرات عميقة في الذوق العام والسلوك المجتمعي، البعض يراها تطورًا طبيعيًا، والبعض الآخر يراها ابتعادًا عن الجذور، لكن المؤكد أن هناك مسافة قد اتسعت بين الماضي والحاضر، بين البساطة والتعقيد، بين الأصالة والاستهلاك السريع لكل شيء حتى الفن والقيمة
وربما إذا تأملنا المشهد العمراني أيضًا سنجد انعكاسًا لهذا التحول، فهناك من يستعيد ذاكرته مع أماكن كانت مختلفة تمامًا مثل منطقة عزبة النخل بشرق القاهرة، التي كانت في وقت من الأوقات تحمل ملامح هدوء ومساحات خضراء مفتوحة تزينها الفيلات والقصوريقطنها الاجانب وكانت تُستخدم في تصوير أعمال سينمائية، قبل أن تتحول عبر الزمن إلى كتلة سكانية كثيفة وزحام عمرانى يختلف تمامًا عن صورتها القديمة، وكأن المكان نفسه صار شاهدًا على سرعة التغيير
واذ عودنا للاسعار فهل تعود كرتونة البيض الى 3 جنية وكيلو اللحم الى 12 جنيها والضانى الى 15 جنيها والدواجن الى 3 ونصف جنيها للكيلو والسمك البلطى من 2- 5 جنيهات للكيلو والطماطم الى جنية للكيلو والبامية من 1-3 جنية للكيلو بدلا من 100 جنية للكيلوا حاليا
وقد دار فى هذا الشأن حديثاً طويلًا بيني وبين عدد من الزملاء داخل الوسط الصحفي، من بينهم الأساتذة مصطفى عبد الغفار، حامد محمد حامد، جهاد عبد المنعم، محمد سعد، وأحمد مكاوي، حيث استعدنا ذكريات المهنة وتوقفنا أمام حجم التغيرات التي طالت كل شيء، من الكلمة إلى المكان، ومن العلاقات إلى الذوق العام، وكيف أصبح الماضي حاضرًا في الذاكرة أكثر من الواقع.
ويبقى السؤال في النهاية معلقًا، هل نحن فقط نتحسر على زمن جميل مضى، أم أننا نستطيع أن نعيد بعض ملامحه إلى حياتنا، ليس بالعودة إلى الوراء، ولكن بإعادة بناء قيمه داخل واقعنا الحالي، فالزمن لا يعود، لكن الروح الجميلة فيه يمكن أن تُستعاد إذا أردنا، وإذا امتلكنا الإرادة أن نُبقي ما كان جميلًا حيًا في داخلنا لا مجرد ذكرى نرددها كلما اشتد بنا الحنين.
كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية ونائب رئيس شعبة المحررين البرلمانيين بمجلسى النواب والشيوخ




















.jpeg)


