بوابة الدولة
الثلاثاء 7 يوليو 2026 02:35 صـ 20 محرّم 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

قبل مواجهة الارجنتين

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : هل يلعب ترامب وإنفانتينو ضد مصر ؟

الكاتب الصحفى صالح شلبى
الكاتب الصحفى صالح شلبى

قبل ساعات من المواجهة المرتقبة بين منتخب مصر ونظيره الأرجنتيني في دور الـ16 من كأس العالم 2026، لا يخشى المصريون قوة المنافس أو أسماء نجومه بقدر ما يخشون أن تمتد ظلال السياسة إلى المستطيل الأخضر، وأن تصبح اللوائح قابلة للتأويل عندما يتعلق الأمر بالمنتخبات الكبرى.

الواقعة التي شهدتها البطولة خلال الأيام الماضية أثارت قلقًا مشروعًا، بعدما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تواصله مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، مطالبًا بإعادة النظر في إيقاف مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوجون، الذي تعرض للطرد في مباراة منتخب بلاده أمام البوسنة والهرسك، وبعد ذلك أعلنت لجنة الانضباط بالفيفا تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف، ليصبح اللاعب مؤهلًا للمشاركة في مباراة دور الـ16، وهو القرار الذي فجّر موجة واسعة من الجدل والانتقادات القانونية، وطرح تساؤلات حول مدى استقلالية القرارات داخل الفيفا.

ومن هنا يبدأ القلق، ليس لأن منتخب مصر يخشى الأرجنتين، فالفراعنة أثبتوا طوال البطولة أنهم قادرون على مقارعة الكبار، وأنهم يملكون شخصية البطل والإصرار على صناعة التاريخ، وإنما لأن العدالة الرياضية يجب أن تكون فوق الجميع، فلا يجوز أن يشعر أي منتخب بأن هناك معايير مختلفة تُطبق من مباراة إلى أخرى أو من منتخب إلى آخر.

خاصة وإن كرة القدم اكتسبت مكانتها العالمية لأنها اللعبة التي تساوي بين الجميع، داخل المستطيل الأخضر لا قيمة لقوة الاقتصاد، ولا لنفوذ السياسة، ولا لحجم الدولة، وإنما للقانون فقط. ولذلك فإن أي واقعة تثير الشكوك حول استقلالية القرار داخل الفيفا تمثل خطرًا حقيقيًا على سمعة اللعبة، حتى لو كان القرار قانونيًا من الناحية الإجرائية.

وما يزيد من علامات الاستفهام أن ترامب لم يُخفِ تدخله، بل أعلن بنفسه أنه تواصل مع إنفانتينو، ثم خرج بعد قرار رفع الإيقاف ليشكر الفيفا علنًا، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات لا يمكن تجاهلها، فحتى لو أصرت المؤسسة الدولية على أن لجنة الانضباط مستقلة، فإن تزامن الاتصال مع القرار الاستثنائي كان كافيًا لإثارة الجدل عالميًا، خاصة أن خبراء في القانون الرياضي والرئيس السابق للفيفا جوزيف بلاتر انتقدوا الواقعة، معتبرين أن استقلالية المؤسسة يجب ألا تكون محل شك أو تأويل.

الأمر لا يتعلق باللاعب الأمريكي، ولا حتى بمنتخب الولايات المتحدة، وإنما يتعلق بالمبدأ، فإذا شعر العالم بأن الاتصالات السياسية يمكن أن تتزامن مع قرارات رياضية مؤثرة، فإن الثقة في المؤسسة الدولية ستتعرض للاهتزاز، وسيصبح كل قرار مثير للجدل محل تشكيك، وكل بطولة معرضة لفقدان جزء من مصداقيتها.

ويزداد القلق مع تصريحات أخرى صدرت عن جياني إنفانتينو نفسه عندما تحدث عقب مباراة الأرجنتين والرأس الأخضر، وأشار إلى أنه عانى وكان متوترًا خلال اللقاء قبل أن يعود ويؤكد حياده.، ورغم أن جياني إنفانتينوا أوضح لاحقًا أن حديثه أُخرج من سياقه، فإن رئيس أكبر مؤسسة كروية في العالم مطالب بأن تكون كلماته محسوبة بدقة، لأن أي تعبير قد يُفسر باعتباره انحيازًا لطرف على حساب آخر.

وإذا كانت بلجيكا قد سارعت إلى الاحتجاج الرسمي، وانضم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والاتحاد الألماني إلى المنتقدين، بينما حذر خبراء القانون الرياضي، وخرج رئيس الفيفا السابق جوزيف بلاتر منتقدًا ما حدث، فإن من حق المصريين أن يتساءلوا قبل مواجهة الأرجنتين، هل ستظل لوائح كأس العالم فوق الجميع؟ أم أن النفوذ السياسي أصبح قادرًا على الاقتراب من قرارات كان يُفترض أنها مستقلة؟ لا أحد يطالب بمعاملة استثنائية لمنتخب مصر، ولا أحد يسبق الأحداث باتهام الفيفا، لكن الجميع يطالب بشيء واحد فقط، أن تكون العدالة هي الحكم الأول، وأن يكون الفائز هو الأفضل داخل المستطيل الأخضر، لا الأقرب إلى دوائر النفوذ

واليوم، تقف مصر أمام اختبار هو الأصعب في البطولة. مواجهة منتخب بحجم الأرجنتين تحتاج إلى تركيز كامل، وإلى جهاز تحكيمي يمنح كل فريق حقه، وإلى مؤسسة دولية تثبت للعالم أن القانون يُطبق على الجميع دون تمييز. فالفراعنة لا يطلبون معاملة خاصة، ولا يبحثون عن امتيازات، وإنما يطالبون بما تكفله لوائح اللعبة لكل المنتخبات، العدالة والمساواة.

لقد اعتادت الجماهير المصرية على احترام المنافس، مهما كان اسمه أو تاريخه، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تكون هناك أي شبهة تؤثر على نزاهة المنافسة. فالتاريخ لا يكتب بالمجاملات، والبطولات لا تُحسم بالمكالمات الهاتفية، وإنما تحسمها أقدام اللاعبين وقرارات الحكام العادلة.

نحن لا نصدر أحكامًا مسبقة، ولا نتهم أحدًا، ولا نزعم أن مباراة مصر والأرجنتين ستشهد ظلمًا أو انحيازًا، لكننا نتمسك بحق مشروع في القلق، بعد سلسلة الوقائع التي شهدتها البطولة، والتي جعلت ملايين المشجعين حول العالم يتساءلون: هل أصبحت السياسة لاعبًا جديدًا في كأس العالم؟

تبقى أمنية كل مصري بسيطة وواضحة؛ أن تنطلق صافرة البداية وصفحة الجدل قد أُغلقت، وأن تكون الكلمة الأخيرة داخل الملعب فقط، وأن يفوز الأفضل أداءً، لا الأقوى نفوذًا، وأن يثبت الفيفا أمام العالم كله أن العدالة الرياضية ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل مبدأ يُطبق في أصعب المباريات.

فإذا خرجت مباراة مصر والأرجنتين نموذجًا للنزاهة والحياد، فسيكون ذلك أفضل رد على كل علامات الاستفهام التي فرضتها الأحداث الأخيرة، وإذا حدث غير ذلك، فإن الشكوك ستزداد، وسيجد الفيفا نفسه مرة أخرى في قفص الاتهام، ليس أمام جماهير مصر وحدها، بل أمام عشاق كرة القدم في العالم بأسره.

كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية ونائب رئيس شعبة المحرريين البرلمانيين