دكتورة همت داود تكتب : الفراعنة يهزمون بطل العالم أداءً.. والتحكيم يخطف حلم التأهل
هناك هزائم تُسجل في دفاتر النتائج، وهناك هزائم أخرى يرفضها التاريخ لأنها لم تكن وليدة تفوق المنافس، بل جاءت بفعل قرارات غيّرت مسار مباراة كانت تسير نحو كتابة فصل جديد من أمجاد الكرة المصرية. وما حدث في مواجهة منتخب مصر أمام الأرجنتين في ثمن نهائي كأس العالم 2026 ينتمي إلى النوع الثاني؛ فقد خرج الفراعنة من البطولة، لكنهم خرجوا وهم أكثر شموخًا، فيما بقيت الصافرة التحكيمية هي المتهم الأول في اغتيال الحلم.
لم يكن المنتخب المصري مجرد طرف في مباراة أمام بطل العالم، بل كان ندًا قويًا فرض شخصيته على اللقاء، وأثبت أن الكرة المصرية تمتلك جيلاً استثنائيًا قادرًا على منافسة كبار العالم. لعب رجال الكابتن حسام حسن بروح المقاتلين، فقدموا واحدة من أجمل مبارياتهم، وأظهروا شخصية البطل الذي لا يخشى الأسماء ولا التاريخ.
منذ الدقيقة الأولى، كانت الرغبة في الفوز واضحة، فنجح ياسر إبراهيم ومصطفى "زيكو" في هز الشباك، وقدم محمد صلاح مباراة القائد الحقيقي الذي حمل أحلام الملايين فوق كتفيه، بينما وقف مصطفى شوبير شامخًا أمام الأسطورة ليونيل ميسي، ليتصدى لركلة جزاء كانت كفيلة بتغيير مسار المباراة، مؤكدًا أن مصر تمتلك حارسًا من طراز عالمي.
لكن كرة القدم لا تُحسم دائمًا داخل المستطيل الأخضر، فهناك أحيانًا من يفرض نفسه لاعبًا إضافيًا في المباراة، وكانت الصافرة التحكيمية هذه المرة صاحبة الكلمة الأكثر تأثيرًا. قرارات أثارت الجدل، وهدف أُلغي وسط علامات استفهام، وركلة جزاء واضحة لمحمد صلاح لم تجد من ينصفها، إلى جانب قرارات انضباطية زادت من الضغط النفني على الجهاز الفني واللاعبين، لتتحول المباراة من منافسة كروية إلى حالة من الإحباط والدهشة لدى ملايين المصريين.
ولأن العدالة كانت غائبة، جاء الألم مضاعفًا. فليس أصعب على جماهير عاشقة أن ترى منتخبها يقدم مباراة تاريخية ثم يخسر بسبب قرارات ظلت محل جدل واسع. لقد شعر المصريون أن حلمهم لم يسقط بقدم لاعب أرجنتيني، وإنما تعثر عند صافرة لم تنصف من استحق الإنصاف.
ومع ذلك، فإن ما قدمه منتخب مصر يستحق الوقوف احترامًا. فقد نجح في بلوغ مرحلة تاريخية لم تصل إليها الكرة المصرية من قبل، وتجاوز دور المجموعات ثم دور الـ32، وقدم صورة مشرفة أعادت للفراعنة هيبتهم أمام العالم، وأثبتت أن المستقبل يحمل الكثير لهذا الجيل الذي كسب احترام الجميع، قبل أن يكسب النتائج.
ولعل رسالة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي أشادت بأداء المنتخب كانت خير تعبير عن شعور الشعب المصري، الذي رأى في لاعبيه أبطالًا حقيقيين، قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، ولم يدخروا جهدًا في الدفاع عن اسم مصر.
قد تُغيّر الأخطاء التحكيمية نتيجة مباراة، وقد تحرم منتخبًا من مواصلة الحلم، لكنها لا تستطيع أن تمحو حقيقة واحدة؛ وهي أن منتخب مصر خرج من كأس العالم أكثر قوة، وأكثر احترامًا، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل. لقد خسر الفراعنة بطاقة التأهل، لكنهم ربحوا ثقة شعب بأكمله، ورسخوا قناعة بأن هذا الجيل قادر على إعادة كتابة تاريخ الكرة المصرية في السنوات المقبلة.
سيظل ما حدث في أتالانتا جرحًا في ذاكرة الجماهير، لكنه في الوقت نفسه سيبقى شاهدًا على أن كبرياء الفراعنة لا ينكسر، وأن الحلم الذي أوقفته صافرة اليوم، قد يعود غدًا أكثر قوة وإصرارًا.























