الكاتبة الصحفية أمال ربيع تكتب: عندما يصبح الصرصار صاحب حق !
هناك لحظات لا تحتاج إلى كلمات ناعمة، لأن المشهد نفسه يستفز الغضب، فكيف يمكن أن يتحول الصرصار الخارج من البلاعة إلى صاحب حق، بينما يصبح من يحاول طرده وتنظيف المكان هو المتهم والمعتدي؟!
أعجبتني كثيرا العبارة التي قالها محمود جمعة السناويأحد مشاهير السوشيال مديا " لو طلعت الصرصار من البلاعة هيفتكرك بتطرده من الجنة.. الوساخة بتحب الوساخة."
عبارة ساخرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها معنى قاسيا جدا، لأنها تلخص مشهدا نراه كل يوم، عندما يعتاد البعض على الخطأ إلى درجة يصبح معها الخطأ حقا، ويصبح من يحاول إيقافه هو المذنب!
ونحن في حياتنا اليومية نرى أشباه الصراصير وأنصارهم في صور كثيرة، وليس المقصود أشخاصا بأعينهم، وإنما سلوكيات أصبحت للأسف واضحة أمامنا، فهناك صاحب مصلحة لا يعنيه من الظالم ومن المظلوم، ولا من صاحب الحق ومن المعتدي، كل ما يعنيه أن تظل مصلحته قائمة، وأن تبقى الأبواب مفتوحة أمامه.
وهناك من يقترب من أصحاب النفوذ لا بحثا عن الحق، وإنما بحثا عن منفعة، فإذا تعرض صاحب المصلحة للنقد، تحول فجأة إلى محام شرس يدافع عنه، وكأن الدفاع عن المصلحة أصبح دفاعا عن الشرف!
وهناك البلطجي، الذي يساند البلطجية، لا حبا فيهم، وإنما ليضمن وقوفهم إلى جواره عندما يحتاج إليهم يوما ما ،فهو لا يبحث عن أصحاب، وإنما يجمع حوله من يظن أنهم سيكونون سندا له وقت الحاجة، لكن السخرية أن من يساند البلطجية ليحتمى بهم، قد يأتي عليه يوم يصبح هو نفسه هدفا لبطشهم.
وهناك من يتستر على الفساد لأنه مستفيد منه، ومن يدافع عن الموظف المهمل لأنه ينجز له مصالحه، ومن يحمي المخالف لأنه شريكه في المكسب، ومن يصمت عن الظلم لأنه ينتظر أن يأتي يوم يحصل فيه على نصيبه من الغنيمة.
وهناك من يبيع موقفه لمن يدفع أكثر، ويغير كلامه حسب اتجاه الريح، ويقف مع هذا اليوم ومع ذاك غدا، ثم يتحدث بعد ذلك عن المبادئ وكأنه آخر حارس للفضيلة!
وهناك من يحاربون الشريف وصاحب المبادئ، لا لعيب فيه ولا لأنه أخطأ في حقهم، وإنما لأن مبادئه تتعارض مع مصالحهم، ولأن وجوده يهدد الغنائم التي اعتادوا اقتسامها.
هؤلاء لا يريدون صاحب ضمير بينهم، لأن صاحب الضمير يفسد عليهم الحسابات، ولا يريدون من يقول "لا" عندما تكون "نعم" لها ثمن، ولا يريدون من يكشف ما يحاولون إخفاءه.
وفي المقابل، يصفقون لمن هو على شاكلتهم، يرفعونه فوق الأعناق، ويدافعون عنه بكل ما أوتوا من قوة، ليس إعجابا به ولا تقديرا لكفاءته، وإنما طمعا في غنيمة، أو مصلحة، أو مكسب، أو رشوة، أو وعد بمقابل.
إنهم يحاربون الشريف لأنه لا يبيع، ويحاربون صاحب المبدأ لأنه لا يشتري، بينما يفتحون الأبواب أمام من يدفع ويمنح ويجامل ويشاركهم الغنائم.
وهنا تصبح المعركة ليست بين شخص وآخر، وإنما بين منظومتين: منظومة تريد الحق والعدل والنزاهة، ومنظومة لا ترى في الحياة سوى مصلحة ومكسب وغنيمة.
وهؤلاء تحديدا هم أنصار الصرصار، لأنهم لا يريدون تنظيف البلاعة، بل يريدون أن تظل مفتوحة، وأن تبقى رائحتها مغطاة بالمجاملات والتصفيق والمصالح.
وهناك من يكره الإنسان النظيف لأنه يذكره بوساخة ما يفعله، ويحارب صاحب المبدأ لأنه يفسد عليه صفقة، ويهاجم الشريف لأنه يرفض أن يمد يده إلى ما ليس من حقه.
وهناك من يصفق للفاشل طالما أن وراءه نفوذا، ويهاجم الكفء لأنه لا يجيد النفاق، ويعتبر الصراحة قلة أدب، والسكوت حكمة، والتملق "شطارة اجتماعية".
وهناك من يحول الصداقة إلى صفقة، والعلاقة إلى واسطة، والمعرفة إلى باب خلفي لتحقيق المصالح، ثم يغضب إذا أغلقت أمامه الأبواب.
وهناك من يتعامل مع المنصب وكأنه ملكية خاصة، ومع النفوذ وكأنه حصانة، ومع السلطة وكأنها تصريح مفتوح لفعل ما يشاء.
وهناك من يقف مع المخطئ لأنه من جماعته، فإذا أخطأ خصمه طالب بأقصى العقوبات، وإذا أخطأ صاحبه بحث له عن ألف مبرر.
وهناك من يقف بجوار المخطئ لمجرد أنه من جماعته، فإذا تحدث أحد عن الخطأ، خرجت المجموعة كلها للدفاع، ليس دفاعا عن الحقيقة، وإنما دفاعا عن "الأكل عيش".
وهناك من يطارد أصحاب الضمير بدلا من مطاردة أصحاب الخطأ، لأن صاحب الضمير هو الذي يهدد مصالحهم، وهناك أيضا من يقف متفرجا، يرى الظلم ويسكت، يرى الفساد ويسكت، يرى البلطجة ويتراجع، ثم يقول: "أنا مالي؟"، وكأن السكوت دائما براءة، مع أن الصمت أحيانا يصبح شراكة غير معلنة.
والأخطر من الصرصار نفسه هم أولئك الذين يقفون حوله، يحمونه، ويدافعون عنه، ويهاجمون من يحاول إبعادهوهنا نؤكد ان المشكلة ليست في الصرصار وحده، وإنما في البيئة التي تحميه، وفي الأصوات التي تدافع عنه، وفي المصالح التي تجعل البعض يرى القبح جميلا ما دام يحقق له منفعة.
إن أصحاب المصالح لا يريدون تنظيف المكان، لأن التنظيف سيكشف ما تحت السجاد، والبلطجية لا يريدون النور، لأن النور يسقط هيبتهم الوهمية، والمنافقون لا يريدون الحقيقة، لأن الحقيقة تفسد تجارتهم.
وهناك من يعتقد أن البلطجة قوة، وأن فرض الأمر الواقع انتصار، وأن تخويف الناس وسيلة للحصول على ما يريد، بينما الحقيقة أن من يحتاج إلى التهديد حتى يثبت وجوده، لا يملك في الحقيقة قوة، وإنما يملك خوفا يحاول تصديره للآخرين.
وهناك من يرفع شعار "خلينا بعيد عن المشاكل"، ليس لأنه محب للسلام، وإنما لأنه لا يريد أن يخسر مصلحته أو علاقته بأصحاب النفوذ.
وهناك من يرى الخطأ بعينيه، لكنه عندما يكون المخطئ قريبا منه أو صاحب مصلحة معه، يتحول فجأة إلى أعمى، أما إذا كان المخطئ خصما له، فإنه يتحول إلى قاض ومحام ومدع عام في الوقت نفسه!
وهناك من يمدح شخصا أمامه، ثم يطعنه من خلفه، فإذا احتاج إليه عاد يمدحه من جديد، لأن المبدأ عنده ليس موقفا، وإنما ورقة يستخدمها وقت الحاجة.
وهناك من لا يعرف قيمة الإنسان إلا من خلال منصبه، فإذا كان قويا انحنى له، وإذا فقد سلطته أدار له ظهره، وكأن الكرامة عنده مرتبطة بحجم النفوذ.
وهناك من يصفق لكل من يحقق له مصلحة، مهما كان سلوكه، ويهاجم كل من يرفض إعطاءه شيئا، مهما كان شريفا.
هذه ليست مجرد تصرفات فردية، وإنما ثقافة خطيرة إذا انتشرت، تجعل الناس يخافون من الشريف، ويجاملون الفاسد، ويتجنبون مواجهة البلطجي، ويعتبرون صاحب المصلحة شخصا يجب إرضاؤه.
والأخطر أن يتحول الأمر مع الوقت إلى شيء طبيعي، فيصبح الشريف هو الغريب، والفاسد هو صاحب الحظوة، والصامت هو العاقل، ومن يصرخ في وجه الخطأ هو "المشاغب".
تخيل أن تفتح نافذة في غرفة مغلقة منذ سنوات، فيصرخ من اعتاد الرائحة: "اقفل الشباك.. الجو هيبوظ!" ،هذه هي الكارثة الحقيقية، أن يصبح الاعتياد أقوى من الحقيقة، وأن يعتاد الإنسان الرائحة السيئة حتى يعتقد أن الهواء النظيف هو المشكلة!
ولهذا فإن أكثر ما يزعج أصحاب المصالح ليس الخطأ، وإنما الشخص الذي يملك الشجاعة ليقول كفى!
لا تبرر، لا تخاف، لا تصمت، ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأن القذارة قدر، أو أن الفساد أمر طبيعي، أو أن البلطجة قوة، أو أن المصلحة أهم من الحق.
فإذا خرج الصرصار من البلاعة، فلا تمنحه سجادة حمراء، ولا تبحث له عن مبررات، ولا تسمح لأنصاره بتحويله إلى ضحية.
لا تمنح الخطأ شرعية لمجرد أن وراءه أصحاب مصالح، ولا تمنح البلطجة هيبة لمجرد أن صاحبها يرفع صوته، ولا تمنح الفساد حصانة لمجرد أن وراءه مجموعة من المدافعين.
أخرج الصرصار من المكان، ونظف المكان، حتى لو غضب كل من اعتاد العيش معه.،لأن القضية في النهاية ليست صرصارا واحدا، وإنما منظومة كاملة:، صرصار، وبلاعة، وأصحاب مصالح، ومنافقون، وبلطجية، وسماسرة مصالح، وصامتون، وكل واحد منهم يؤدي دوره حتى تستمر الرائحة.
لكن الحقيقة التي يجب ألا نخاف منها هي أن الوساخة بتحب الوساخة، والفساد يبحث دائما عمن يحميه، أما النظافة فلا تحتاج إلى أنصار، لأنها تتحدث عن نفسها.
والحق قد يتأخر، لكنه لا يموت، والباطل قد يرفع صوته، لكنه يظل باطلا، والبلطجة قد تخيف البعض، لكنها لا تصنع حقا، والرشوة قد تشتري ذمما، لكنها لا تشتري احتراما.
فلا تخافوا من الصراصير، ولا من أنصارها، ولا من أصحاب المصالح، ولا من أصوات البلطجية، نظفوا المكان، وافتحوا النوافذ، ودعوا النور يدخل، لأن أول خطوة في الإصلاح هي أن نتوقف عن الخوف ممن تعودوا على البلاعة.
وإذا كان البعض قد اختاروا أن يعيشوا حول البلاعة، ويحرسوا الصرصار، ويصفقوا له، ويقتسموا معه الغنائم، فليس من حقهم أن يطالبوا الآخرين بالصمت.
اتركوا النظيف نظيفا، واتركوا الشريف شريفا، واتركوا صاحب المبدأ واقفا على قدميه، حتى لو وقف في مواجهته أصحاب المصالح والبلطجية والمنافقون.
فالمعركة الحقيقية ليست مع صرصار خرج من البلاعة، وإنما مع عقلية تريد أن تجعل من البلاعة وطنا، ومن رائحتها عطرا، ومن الصرصار بطلا، ومن كل من يحاول تنظيف المكان عدوا! ، وهنا لا بد أن نقولها بلا خوف ولا مواربة:
لن يكون الفساد قدرا، ولن تكون البلطجة قانونا، ولن تصبح الرشوة شطارة، ولن يتحول صاحب المصلحة إلى صاحب حق لمجرد أن وراءه مجموعة تصفق له.
ومن يملك الشجاعة ليواجه الخطأ، لا يجب أن يخاف من الذين تعودوا عليه، ومن يملك ضميرا لا يجب أن يساوم عليه، ومن يملك مبدأ لا يجب أن يبيعه من أجل مكسب مؤقت،الحق له رجاله، والضمير له أصحابه،والوساخة لها اتباعهاواصحابها ، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.
كاتبة المقال الكاتبة الصحفية أمال ربيع مدير تحرير مؤسسة أخبار اليوم ومدير تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية

















.jpeg)





