بوابة الدولة
السبت 12 سبتمبر 2026 09:09 مـ 29 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
التضامن تمثل مصر في ورشة ”التمويل الإسلامي للإسكان الاجتماعي” ببنجلاديش الرئيس السيسي يشارك في مأدبة عشاء لرئيس الوزراء الهندي على شرف الزعماء المشاركين في قمة بريكس بجهود أبناء ماسبيرو..طفرة رقمية لقناة النيل للأخبار:30 مليون مشاهدة خلال 3 أشهر 71 قصة نجاح مياه أسيوط تحتفي بأبنائها المتفوقين والحاصلين على الدرجات العلمية الرئيس السيسي يستعرض جهود مصر مع الوسطاء لتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في غزة ڤودافون مصر تعلن بدء الحجز المسبق لسلسلة هواتف iPhone 18 Pro اليوم عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الطقس غدا.. حار رطب نهارا وشبورة كثيفة صباحا والمحسوسة بالقاهرة 37 درجة غدًا.. انطلاق الدورة الخامسة من مهرجان «فنون الأداء» بأكاديمية الفنون صحة مطروح: محاكاة ناجحة لجاهزية مستشفي مطروح العام | صور رواتب المعلمين المعلنه تثير جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي كشف تلاعب المخابز.. الأمن يضبط أطنان دقيق مدعم وزير الشباب والرياضة ومحافظ الفيوم يتابعان أعمال تطوير الاستاد الرياضي | صور

تهامي كرم يكتب:” هيبة الدولة تبدأ من احترام المدرسة... حين تقوى السلطة ولا تنكسر الكرامة”

تهامي كرم
تهامي كرم

في المدرسة، كما في الدولة، للهيبة معنى، وللسلطة حدود، وللمسئولية اخلاق تسبقها.

فالمدرسة ليست جدرانا وفصولا ودفاتر حضور وانصراف، وليست محطة عابرة في حياة الطالب؛ انها اول صورة عملية يلتقي فيها الانسان بالنظام، وبالقانون، وبالسلطة، وبفكرة الواجب. وفي ممراتها يتعلم الطفل، قبل ان يتعلم من الكتب، كيف يكون منضبطا دون خوف، ومطيعا دون مهانة، وقادرا على الاختلاف دون فوضى.

ومن هنا، فان اصلاح المدرسة ليس ترفا اداريا، بل هو جزء من اصلاح المجتمع نفسه؛ لان المدرسة التي نريدها اليوم هي الدولة التي نحلم بها غدا.

حين يعرف كل انسان حدود دوره

من الامور التي تستحق التأمل في حياتنا المدرسية: صورة مدير المدرسة حين ينخرط بنفسه في كل عمل، فيحمل الفأس، او يمسك اداة النظافة، او يرفع القمامة، او يقوم بعمل تنفيذي كان ينبغي ان يؤديه غيره.

ولا ينبغي ان يفهم الكلام على انه انتقاص من العمل اليدوي او من اصحابه؛ فكل عمل شريف يستحق الاحترام، وقد يكون نزول المدير الى الميدان في لحظة طارئة دليلا على شهامته وانسانيته وشعوره بالمسؤولية.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الاستثناءات الى قاعدة، وحين يصبح المدير مشغولا بكل شيء، حتى يضيع منه الشيء الاهم: القيادة.

فالمدير لا تقاس قيمته بما تحمله يداه، وانما بما تحمله من مسؤولية.

القيادة ليست ان تفعل كل شيء بنفسك، وانما ان تعرف ماذا يفعل كل انسان، وان تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وان تتابع العمل حتى يبلغ غايته.

وحين ينزل القائد الى الميدان ليحل ازمة، فهذه قيادة؛ اما حين يصبح الميدان وظيفته اليومية، فقد اختلت البوصلة.

القائد الحقيقي لا يحمل المؤسسة على كتفيه؛ بل يبني لها اكتافا تستطيع ان تحملها.

فالطبيب لا يصبح اكثر مهنية لانه يمسك المكنسة داخل غرفة العمليات، والمعلم لا يصبح اكثر اخلاصا لانه يحمل كل اعباء المؤسسة، والمدير لا يصبح اكثر نجاحا كلما اتسعت قائمة الاعمال التي يؤديها بيديه.

قيمة القيادة في ان تجعل العمل يسير حتى حين لا تكون يدك فوق كل تفصيلة.

المعلم يقدّم درسا قبل ان يفتح الكتاب

وفي المدرسة ايضا، لا يمكن فصل المظهر عن الرسالة.

وليس الحديث هنا انتقاصا من الجلباب؛ فهو لباس محترم، وله مكانته وقيمته في المجتمع، لكن احترام الزي لا يعني انه يصلح لكل مكان وكل مهنة.

فالمدرسة مؤسسة تعليمية، والمظهر المهني فيها جزء من صورتها المؤسسية. والطالب لا يسمع معلمه فقط، بل يراه قبل ان يسمعه.

الطالب يقرأ معلمه قبل ان يقرأ كتابه.

المعلم لا يشرح المنهج وحده؛ انه يقدم كل يوم درسا اخر لا يوجد في الكتاب: درس القدوة.

وحين يدخل المعلم الى الفصل في هيئة تليق برسالته، فهو لا يستعرض مظهرا، بل يرسل رسالة صامتة تقول للطالب: نحن في مكان له قيمة، وللعلم هيبة، وللمهنة احترام.

فكما نطالب الطالب بالانضباط في ملبسه وسلوكه، من الطبيعي ان يكون للكبار ايضا نموذجهم الذي يرسخ المعنى قبل ان يطلبه.

السلطة ليست رخصة للكسر

غير ان الحديث عن الهيبة لا ينبغي ان يقودنا الى مفهوم خاطئ للسلطة.

فالسلطة ليست صراخا، وليست استعراضا للقوة، وليست قدرة المسؤول على ان يجعل من امامه يشعر بالصغر.

للمدير، ولمدير الادارة، ولمدير المديرية، وللقيادات التعليمية كافة، حق التوجيه والمتابعة والمحاسبة واتخاذ ما يلزم من اجراءات في اطار القانون.

لكن هناك فارقا اخلاقيا وقانونيا لا ينبغي ان يضيع بين هذه الحقوق وبين اهانة الانسان.

التوجيه حق، والاهانة ليست حقا.
والمحاسبة واجب، والتجريح ليس واجبا.

قد يخطئ المعلم، وقد يقصر المدير، وقد يحتاج موظف الى تصحيح مساره؛ وكل ذلك طبيعي في اي مؤسسة بشرية. لكن تصحيح الخطأ شيء، وكسر صاحبه شيء اخر.

فالسلطة تمنح صاحبها حق التصحيح، ولا تمنحه رخصة للكسر.

وقد تعاملت، بحكم عملي، مع قيادات مختلفة من مديريات التعليم واداراته، ومنهم مديرون ووكلاء وقيادات اثبتوا ان الحزم لا يناقض الاحترام، وان قوة القرار لا تحتاج الى قسوة اللغة، وان المسؤول يستطيع ان يقول "لا" بوضوح دون ان يهين من امامه.

وهذه هي القيادة التي تستحق الاحترام: قيادة لا تخاف من الهيبة فتتحول الى استعلاء، ولا تخاف على هيبتها من احترام انسان.

فمن يملك القرار حقا، لا يحتاج الى رفع صوته ليثبت انه يملكه.

والمسؤول الكبير لا تزداد قامته حين يصغر من امامه؛ بل حين يخرج من امامه انسانا اكثر التزاما، لا اكثر انكسارا.

من ادارة الظنون الى ادارة البيانات

وفي زمن التحول الرقمي، لم يعد من المقبول ان تبقى ادارة الحضور والانصراف قائمة على التوقيعات والدفاتر وحدها، بينما العالم من حولنا يدير مؤسساته بالبيانات.

نحن بحاجة الى منظومة الكترونية دقيقة للحضور والانصراف، تنتج تقارير يومية واسبوعية وشهرية، ويمكن ان تمتد - حيث تسمح الامكانات - الى متابعة انتظام المعلم داخل الحصص ايضا.

وليس الهدف من ذلك تحويل المدرسة الى مكان للمراقبة والعقاب، وانما تحقيق العدالة.

فالمعلم المنضبط يستحق ان تظهر الحقيقة لصالحه، والمقصر يجب ان يتحمل مسؤولية تقصيره، والمدير يحتاج الى بيانات دقيقة لا الى انطباعات شخصية.

نحن ببساطة نريد ان ننتقل من ادارة الظنون الى ادارة البيانات.

وحين تصبح المعلومات دقيقة، تقل مساحة الجدل، وتصبح المحاسبة اكثر عدلا، ويتفرغ المدير لما هو اهم: قيادة المدرسة وتطويرها، بدلا من الغرق في دفاتر الحضور والانصراف ومطاردة التوقيعات.
المدرسة لا تبنى من الداخل وحده

لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع مدرسة ناجحة.
فالمدرسة لا تستطيع ان تعيش معزولة عن المجتمع، كما لا يستطيع المجتمع أن يشتكي من مخرجات التعليم وهو بعيد عن المدرسة.

نحن بحاجة الى مجلس أمناء وآباء ومعلمين حقيقي، لا مجلسا يكتفي بمحاضر محفوظة في الملفات.
نحتاج الى ولي امر يكون شريكا في التربية، لا زائرا يظهر فقط عند المشكلة.
ونحتاج الى مجتمع محلي يرى المدرسة استثمارا في ابنائه، ورجال اعمال ومؤسسات مجتمعية يدركون ان دعم المعمل او الاجهزة او التحول الرقمي او رعاية الموهوبين ليس تبرعا عابرا، بل مساهمة في صناعة مستقبل المكان الذي يعيشون فيه.
فالمدرسة ليست جزيرة وسط المجتمع؛ انها المعمل الذي يدخل اليه المجتمع بابنائه، ويخرج منه بمستقبله.

ثلاثية المدرسة الحديثة: 

ومن هنا، فان المدرسة الحديثة لا تحتاج الى شعارات كثيرة بقدر ما تحتاج الى ثلاثة اشياء واضحة:
* قيادة عادلة قوية تعرف طريقها.
* ومنظومة رقمية دقيقة تعرف ما يحدث.
* وشراكة مجتمعية حقيقيةد تعرف لماذا يحدث.
وحين تجتمع هذه العناصر، يصبح الانضباط ثقافة لا حملة، والمسئولية سلوكا لا تعليمات، والمتابعة نظاما لا مطاردة.

وهنا نصل الى جوهر المسألة كلها: نحن لا نريد مدرسة لا يخطئ فيها احد؛ فهذا غير ممكن.
نريد مدرسة يعرف فيها الجميع ان الخطأ له علاج، والتقصير له حساب، والالتزام له تقدير، والانسان له كرامة.
فالانضباط الذي يحرسه الخوف ينهار عندما يغيب الرقيب، اما الانضباط الذي يحرسه الوعي فيبقى واقفا حتى في غياب الجميع.
وهذه هي النقلة الحقيقية التي تحتاجها مؤسساتنا التعليمية: ان ننتقل من ثقافة الخوف من المسؤول الى ثقافة احترام النظام، ومن انتظار العقوبة الى الشعور بالمسؤولية، ومن سلطة الاشخاص الى قوة المؤسسة.

وفي النهاية، ليست الفأس هي القضية، ولا الجلباب، ولا جهاز البصمة؛ فهذه كلها تفاصيل تكشف سؤالا اكبر: اي مؤسسة نريد، واي انسان نريد ان تخرجه المدرسة الى الحياة؟

نريد مدرسة تعرف فيها السلطة حدودها، ويعرف فيها كل انسان قيمة دوره، ويصبح فيها القانون قويا دون ان تكون الكرامة ضعيفة.
فهيبة الدولة لا تحتاج الى صوت اعلى، وانما الى عدل اعمق؛ وحين تقوى السلطة بالحق، وتحفظ المؤسسة كرامة انسانها، تصبح المدرسة اول مكان يتعلم فيه الوطن كيف يكون قويا دون ان يكون قاسيا.
وتلك ليست هيبة مدرسة فحسب...
تلك ملامح دولة.

موضوعات متعلقة