بوابة الدولة
الخميس 29 أكتوبر 2026 04:54 صـ 16 جمادى أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى محمود الشاذلى يكتب : خطيئة النفاق فى مجتمعنا المعاصر .

محمود الشاذلى
محمود الشاذلى


بوضوح .. ظاهرة النفاق الإجتماعي في المجتمع المصري تنطلق من سلوك قديم ومتجذر، حيث تطور عبر العصور نتيجة للتحولات السياسية ، والإقتصادية ، والإجتماعية ، حتى بات يفسر لدى البعض أحياناً على أنه "مجاملة " أو وسيلة للتعايش وتجنب الصدامات ، يرى الباحثون والكتّاب أن هناك شعرة دقيقة بين " المجاملة المحمودة " التي تهدف إلى الحفاظ على الود ، وبين "النفاق المذموم" الذي يتحول إلى تزييف للحقائق وطمس للواقع ، عظم هذا أن طبيعة الشخصية المصرية تميل بطبعها إلى تجنب النزاعات إنطلاقا من ثقافة "الصلح خير" وتفادي المشكلات) ، وهي طبيعة إيجابية في الأصل ، لكنها إستغلت أحياناً وتحورت في الظروف الصعبة إلى "مداهنة" وموافقة ظاهرية على ما لا يقتنع به الفرد خوفاً من الضرر الوظيفي أو الإجتماعي ، مع تغير النظم الإقتصادية ، وزيادة الضغوط المعيشية في العقود الأخيرة ، تحول النفاق عند البعض من مجرد سلوك فردي إلى "آفة" أو أسلوب حياة للوصول إلى المكاسب أو الترقي الوظيفي ، إنتقل جزء كبير من هذه الظاهرة فى العصر الحالى إلى منصات التواصل الاجتماعي ، حيث إتخذ أشكالاً جديدة من التملق الرقمي ، وترديد الشائعات ، وتضخيم الأشخاص أو الأحداث بلا مرجعية حقيقية .

عظم ظاهرة النفاق فى المجتمع تراجع المعايير العادلة في تقييم الكفاءات لصالح الولاءات الشكلية ، وإنتشار حالة من الريبة والشك بين الأفراد ، حيث يصبح من الصعب تبين النوايا الصادقة من المصطنعة ، مؤلم أن أقول أن النفاق تفشي فى المجتمع سياسيا وإعلاميا مما أدى إلى غياب النقد البناء وضياع الفرص الحقيقية للإصلاح ، إنطلاقا من ذلك لعل أسوا مالحق بالمجتمع المصرى ، فى القلب واقعنا السياسى هذا القدر الكبير من النفاق الذى أساء فاعليه للشخصيه المصريه العظيمه ، ووصموها بالهزل ، حيث تابعت وتابع معى كثر هذا المديح الممزوج بالنفاق بحق كل صاحب منصب ، أو لديه حيثيه ، وكثيرا ماأزعجنى هذا القدر من النفاق لشخصى الضعيف أثناء تشرفى بعضوية البرلمان ، وذلك إبتغاء نيل مصلحه شخصيه ، أو خدمه فرديه ، الأمر الذى أوقع المحبين الكرام فى حرج شديد عند تقديم النصح لهم بالكف عن تلك الخطيئة ، لم يدرك من تسابقوا فى النفاق ، أنه منطلق للتردى والإنحدار ، ويضر بسمعة الوطن ، ويعمق لفقدان الثقه فى الجميع ، إلى الدرجه التى معها قلبى يئن من الوجع على ماطال سلوك البشر ، ومالحق بواقعنا السياسى من إنحطاط ، والحزبى من تدنى ، فكان التخلى عن أمور مجتمعيه كثيره حتى ولو كانت من الثوابت ، هذا النفاق الذى أصبح له مدارس ومريدين .

طال النفاق كل شيىء فى مجتمعنا حتى أصبح مكون رئيسى فى حياتنا اليوميه ، وأصبحنا نرصد كيف ينافق الموظف رئيسه ، ومن له خدمه عند موظف ، ومن يبتغى منه مصلحه ، وكذلك كل صاحب سلطه ، بالمجمل النفاق أصبح منهج حياه ونبراس وجود ، لذا أشفق كثيرا على أهالينا الكرام الذين ينشدون الحقيقه فى زمن الهزل ، وتعايشوا منذ الصغر قبل هذا التردى على أن الصدق هو المعيار الحقيقى والوحيد لنيل ثقة الناس ، يبقى أن أى محاولة لترسيخ المصداقيه تتبدد ، لأنه ماذا يفيد ذلك وقد غاص النفاق فى واقعنا حتى طال الكيان ، يبقى السؤال هل نحن قادرون على تطهير واقعنا من المنافقين ، وسحق تلك الظاهره المرضيه الخطيره التى لاشك قزمت واقعنا الحياتى .

ترسيخ النفاق ، وهذا الذى يحدث من المنافقين نزع من النفس الأمل فى إفراز نائب يشعر بالناس ، ولن يدخل فى صراعات مع مسئول من أجل المواطن ، ولن يكون ملاذا للناس ، خاصة الفقراء والبسطاء والمهمشين وذوى الحاجه ، وهذا مؤشر خطر لأنه يعمق السلبيه ، ولايدفع لمزيد من العطاء الممزوج بالتلاحم الشعبى ، ومعايشة هموم المواطن ، وتعميق الرأى والرأى الآخر فى إطار من الموضوعيه والإحترام ، والحجه والبيان ، واليقين أن وجود الرأى الآخر يعمل على التنبيه لمواطن الخلل لإصلاحها قبل أن تستفحل ، وتكون عصيه على الحل ، وتضر بالوطن والمواطن ، وتلك ثوابت نبيله من يرفضها أو يقاومها يكون فى فكره خلل .

خلاصة القول .. النفاق بلاء عظيم ، إبتلى به الله تعالى عباده ليعظم الحق ، ويرسخ للحقيقيه ، وندرك الكرام من البشر ، ونتجنب السفهاء من الناس ، وهو مأساه حقيقيه لأنه يدمر المجتمعات ، ويقضى على ٱمال الشعوب ، ويدفع للتردى ، والإنحدار ، والإنحطاط ، والمنافقين سبب إنحطاط المجتمعات ، لذا أكد رب العزه سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم بسورة النساء - الآية 145 أنهم فى الدرك الأسفل من النار ، كما حذر منهم النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولأن النفاق آفه قد تدمر المجتمعات كتب الكثير عن النفاق من منظور ديني وأخلاقي ، ووصفوه بأنه صفة مذمومة تتناقض مع الصدق ، والإخلاص ، وتمثل تناقضاً بين الظاهر والباطن ، ومن أبرز ما ذُكر عنه أنه يفسد الإيمان ، ويكون أخو الشرك ، وأن له علامات مميزة مثل الكذب عند الحديث ، وخيانة الأمانة ، وإخلاف الوعد ، والفجور عند الخصومة ، والغدر عند العهد ، على أية حال حفظ الله مصرنا الحبيبه .. حفظ الله وطننا الغالى من كل مكروه وسوء .

الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .

موضوعات متعلقة