المستشارعمرو محمد أحمد يكتب : الأموال الساخنة.. فخ السيولة الذي يطارد الاقتصاد المصري
لم تعد قضية الأموال الساخنة مجرد تحركات عابرة للاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المصرية، بل أصبحت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه استقرار الاقتصاد الوطني، في ظل ارتباط حركة هذه الأموال بتقلبات سعر الصرف ومراجعات صندوق النقد الدولي، وما تفرضه من ضغوط على السياسة النقدية والاحتياطي الأجنبي وميزانية الدولة.
الأموال الساخنة التي تدخل الأسواق بحثًا عن عوائد مرتفعة، لا تحمل بالضرورة التزامًا طويل الأجل تجاه الاقتصاد الوطني، إذ يمكنها الخروج في أي لحظة عندما تتغير حسابات المخاطر أو تظهر مؤشرات على انخفاض قيمة العملة، وهو ما يضع الاقتصاد أمام اختبارات صعبة، خاصة عندما تتزامن موجات التخارج مع استحقاقات مالية ومراجعات دولية.
وتكشف المحطات الاقتصادية التي نرصدها في الدراسة الممتدة من نوفمبر 2016 حتى أكتوبر 2026، عن سلسلة من التحولات الكبرى في سعر صرف الجنيه، ارتبطت ببرامج التمويل والإصلاح الاقتصادي ومراجعات صندوق النقد الدولي.
ففي نوفمبر 2016، شهد الاقتصاد المصري قرار التعويم الأول، بالتزامن مع اعتماد برنامج تسهيل ممتد بقيمة 12 مليار دولار، ليتغير سعر الدولار من 8.88 جنيه إلى 15.78 جنيه. وفي مارس 2022، تعرضت الأسواق لصدمة خروج أموال ساخنة قُدرت بنحو 20 مليار دولار، عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، قبل أن تتوالى التحولات النقدية وصولًا إلى اتفاق أكتوبر 2022، ثم تعديلات يناير 2023، والتحرير الشامل لسعر الصرف في مارس 2024.
ونرى من خلال تلك الدراسة أن تكرار هذه المحطات يطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة العلاقة بين مراجعات الصندوق وحركة استثمارات المحافظ الأجنبية، ومدى قدرة الاقتصاد على مواجهة موجات التخارج المفاجئة.
لماذا تخرج الأموال الساخنة قبل مراجعات الصندوق؟
هنا نطرح تفسيرًا اقتصاديًا مهمًا لهذه الظاهرة، يتمثل في أن المؤسسات المالية الدولية وصناديق الاستثمار لا تتحرك بعشوائية، وإنما تعتمد على نماذج دقيقة لإدارة المخاطر، وتراقب عن كثب القرارات المرتبطة بسعر الصرف وأسعار الفائدة وشروط التمويل الدولي.
فعندما تتوقع هذه المؤسسات احتمالات خفض قيمة العملة، تصبح عملية الخروج المبكر وسيلة لحماية استثماراتها من خسائر محتملة عند تحويل الأرباح بالجنيه إلى الدولار.
كما أن ارتباط شرائح التمويل بتنفيذ إجراءات اقتصادية، مثل رفع أسعار الفائدة وإعادة هيكلة الدعم وتحرير أسعار الطاقة، قد يزيد من حالة الترقب والقلق لدى المستثمرين، ويدفع بعضهم إلى اتخاذ قرارات استباقية لحماية عوائدهم.
وهنا تكمن الخطورة؛ فبينما تبحث الدولة عن الاستقرار النقدي وتأمين احتياجاتها التمويلية، تتحرك الأموال قصيرة الأجل وفق حسابات الربح والخسارة، دون أن تكون مرتبطة بالتزامات إنتاجية أو استثمارية طويلة المدى.
فخ السيولة.. عندما يتحول الاقتراض إلى دائرة مغلقة
الأخطر في تحليل الدراسة هو ما تصفه بفخ السيولة، وهي الحالة التي يؤدي فيها خروج الاستثمارات الأجنبية المفاجئ إلى زيادة الضغط على الاحتياطي النقدي، نتيجة الحاجة إلى توفير العملة الأجنبية لتغطية التحويلات إلى الخارج.
وفي هذه اللحظة تجد الدولة نفسها أمام تحديات صعبة، ما بين الحفاظ على استقرار السوق وتوفير الدولار والوفاء بالالتزامات الخارجية، وهو ما قد يدفعها إلى البحث عن تمويل جديد لتجاوز الأزمة.
وتحذر الدراسة من تحول هذه العملية إلى دائرة مالية مغلقة تبدأ بخروج الأموال الساخنة، ثم الضغط على الاحتياطي الدولاري، فاللجوء إلى الاقتراض، ثم احتمالات خفض جديد للعملة، ورفع أسعار الفائدة لجذب استثمارات جديدة، وصولًا إلى زيادة أعباء الدين وعجز الموازنة.
وهكذا يصبح الاقتصاد في مواجهة معادلة شديدة التعقيد؛ أموال تدخل للاستفادة من الفائدة المرتفعة، ثم تخرج عند أول اضطراب، لتجد الدولة نفسها مضطرة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب أموال بديلة، بما يزيد تكلفة خدمة الدين ويضغط على الموارد العامة.
الاستثمار الإنتاجي هو طوق النجاة
إن الرسالة الأهم التي تطرحها الدراسة هي أن استمرار الاعتماد على الأموال الساخنة باعتبارها مصدرًا سريعًا للسيولة الأجنبية لا يمكن أن يمثل حلًا مستدامًا لمشكلات الاقتصاد.
فالأموال التي تدخل للاستثمار في أذون وسندات الخزانة تختلف جذريًا عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تقيم المصانع وتوفر فرص العمل وتنقل التكنولوجيا وتزيد القدرة الإنتاجية والتصديرية.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الوطني، من خلال تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعميق التصنيع المحلي، والاستفادة من الثروات والخامات الطبيعية بدلًا من تصديرها في صورتها الأولية، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية.
كما أن تنويع مصادر النقد الأجنبي، وزيادة الصادرات، وتعزيز موارد السياحة والاستثمار والإنتاج، يمثل الطريق الأكثر أمانًا لبناء اقتصاد قادر على مواجهة الصدمات الخارجية دون الاعتماد المستمر على الاقتراض.
هنا نحذر تحذير من لعبة الأموال الساخنة وفخ السيولة يفتح ملفًا بالغ الأهمية أمام صانع القرار الاقتصادي، وهو ضرورة الانتقال من اقتصاد يعتمد على السيولة السريعة إلى اقتصاد يستند إلى الإنتاج والاستثمار الحقيقي.
فاستقرار العملة لا يتحقق بمجرد رفع الفائدة أو الحصول على قروض جديدة، وإنما ببناء قاعدة إنتاجية قوية قادرة على توفير الدولار من خلال التصدير والعمل والإنتاج.
وتبقى المعركة الحقيقية هي تحرير الاقتصاد من هشاشة التمويل قصير الأجل، وبناء اقتصاد وطني يمتلك أدوات قوته واستدامته.
حفظ الله مصر وقائدها وشعبها العظيم.


























