المستشار محمد سليم يكتب: مصر والسودان.. وحدة المصير وسد منيع أمام التحديات
لم تكن العلاقات المصرية السودانية يوماً مجرد علاقات جوار جغرافي أو مصالح سياسية واقتصادية عابرة، وإنما هي علاقة تاريخية ممتدة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وتجمع شعبين شقيقين ارتبطا بنهر النيل ووحدة المصير والدم والتاريخ والجغرافيا. ومن هنا تأتي أهمية الجولة الثالثة لاجتماعات آلية التشاور «2+2» بين وزراء الخارجية والري في مصر والسودان، التي استضافتها القاهرة، لتؤكد أن البلدين يدركان حجم المسؤولية المشتركة في مواجهة التحديات الراهنة، وأن أمنهما واستقرارهما ومصالحهما الاستراتيجية لا تقبل التجزئة.
لقد حملت اجتماعات القاهرة أمس الاثنين رسائل سياسية ومائية واقتصادية بالغة الأهمية، عكست حرص القيادتين في البلدين على استمرار التنسيق والتشاور، وتنفيذ مخرجات المباحثات التي جمعت رئيسي الوزراء بما يعزز التعاون المشترك ويفتح آفاقاً جديدة أمام العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
وجاءت مشاركة الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، والدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، إلى جانب نظيريهما السودانيين محيي الدين سالم، وزير الخارجية والتعاون الدولي، والبروفيسور عصمت قرشي عبد الله محمد، وزير الزراعة والري، لتؤكد أهمية الملفات المطروحة وارتباطها المباشر بالأمن القومي للبلدين.
السودان.. أمن قومي مصري لا يقبل المساومة
كانت الرسالة المصرية بشأن السودان واضحة، حيث أكدت مصر اصطفافها مع الشعب السوداني ومؤسساته الوطنية، ورفضها لأي محاولات تستهدف تقسيم السودان أو المساس بوحدة أراضيه أو إنشاء كيانات موازية لمؤسسات الدولة الشرعية.
وهذا الموقف يعكس إدراكاً مصرياً عميقاً بأن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ودعم قدرتها على أداء مهامها الوطنية ضرورة لحماية الأمن القومي المشترك.
كما أن تأكيد مصر استعدادها لاتخاذ التدابير التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين يحمل دلالة واضحة على أهمية الحفاظ على الخطوط الحمراء المرتبطة بوحدة السودان وسلامة أراضيه.
الأمن المائي.. قضية حياة ومصير
ولعل من أبرز الملفات التي تصدرت اجتماعات القاهرة قضية مياه النيل، حيث أكد الجانبان أن الأمن المائي المصري والسوداني وحدة واحدة لا تتجزأ، وأن الحفاظ على الحقوق التاريخية والاستخدامات المائية للبلدين وفق اتفاقية عام 1959 يمثل أولوية استراتيجية.
وجددت مصر والسودان رفضهما للإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، وأكدا أن الإدارة الأحادية للسد الإثيوبي، في غياب آلية قانونية ملزمة، تمثل تهديداً مستمراً لدولتي المصب.
كما شدد الطرفان على ضرورة العودة إلى قواعد القانون الدولي، واحترام مبادئ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق، بما يضمن تحقيق التنمية دون الإضرار بحقوق الآخرين.
وهنا تتجلى أهمية الموقف المصري الذي يؤكد باستمرار أن التعاون بين دول حوض النيل يجب أن يقوم على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، وليس فرض الأمر الواقع أو اتخاذ قرارات أحادية تمس حقوق الشعوب.
مذكرة تفاهم.. مصر تضع خبراتها في خدمة إعادة إعمار السودان
ومن أهم النتائج العملية التي خرجت بها الاجتماعات توقيع مذكرة تفاهم بين حكومتي مصر والسودان لتنفيذ مشروعات تنموية في مجال الموارد المائية بالسودان، شهد مراسم توقيعها الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية، والسيد محيي الدين سالم، وزير الخارجية السوداني.
ووقع المذكرة الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري المصري، والبروفيسور عصمت قرشي عبد الله محمد، وزير الزراعة والري السوداني.
وتأتي هذه المذكرة في إطار التعاون الوثيق بين وزارة الموارد المائية والري المصرية ووزارة الزراعة والري السودانية، من خلال المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل، التي تشرف عليها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية بوزارة الخارجية.
وتحمل المذكرة أبعاداً إنسانية وتنموية مهمة، إذ لا تقتصر على تقديم الدعم الفني، وإنما تمتد إلى مشروعات تمس حياة المواطن السوداني واحتياجاته اليومية، وتشمل إعادة تأهيل المنشآت المائية التي تضررت جراء الحرب، وتنفيذ مشروعات للحماية من الفيضانات وحصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات لمياه الشرب تعمل بالطاقة الشمسية.
كما تتضمن برامج للتدريب وبناء القدرات وتأهيل الكوادر السودانية، بما يساعد على استعادة كفاءة المؤسسات المعنية بقطاع المياه، ويدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار.
وهنا تظهر قيمة التعاون المصري السوداني في صورته العملية؛ فمصر لا تكتفي بالتأكيد على دعم السودان سياسياً، بل تضع خبراتها الفنية وإمكاناتها في خدمة مشروعات التنمية وإعادة بناء ما تضرر، انطلاقاً من إيمانها بأن استقرار السودان ومساعدة شعبه على تجاوز آثار الحرب مصلحة مشتركة للبلدين.
البحر الأحمر ومبادرة حوض النيل.. رؤية مشتركة للمستقبل
ولم تغفل اجتماعات القاهرة الملفات الإقليمية، حيث أكد الجانبان ضرورة احترام سيادة الدول المشاطئة للبحر الأحمر، ورفض أي محاولات لعسكرته أو فرض نفاذ بحري لدول غير مشاطئة على حساب سيادة دول المنطقة.
كما شددا على أهمية الحفاظ على مبادرة حوض النيل باعتبارها الإطار الجامع للتعاون بين دول الحوض، واستعادة التوافق والشمولية بما يحقق التنمية والمنافع المشتركة لجميع الشعوب.
وفي النهاية، ستبقى مصر والسودان أكبر من كل الأزمات، وأقوى من كل محاولات الوقيعة والتفريق، فهما شعبان جمعهما النيل، ووحدتهما الجغرافيا، وصاغ التاريخ بينهما روابط لا تستطيع الحروب ولا المؤامرات أن تنال منها.
إن رسالة القاهرة اليوم واضحة ولا تقبل التأويل: أمن السودان من أمن مصر، وأمن مصر يرتبط باستقرار السودان، ومصير الشعبين واحد لا يتجزأ. وستظل مصر، قيادةً وشعباً، سنداً لأشقائها في السودان، تمد يد التعاون والبناء، وتدافع عن الحقوق والمقدرات، حتى يستعيد السودان عافيته ويعود قوياً آمناً مستقراً. فالنيل سيظل شريان الحياة الذي يجمعنا، وستظل وحدة وادي النيل حقيقة راسخة لا تغيرها العواصف ولا تهزها التحديات.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية، وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق، والمحامي بالنقض والدستورية العليا.


























