بوابة الدولة
الجمعة 30 أكتوبر 2026 03:53 صـ 17 جمادى أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب: المصريون لا يريدون المستحيل.. حياة كريمة ودخل يكفي وغلاء يتوقف

المستشار محمد سليم
المستشار محمد سليم

لقد أحسن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اليوم، عندما تحدث بصراحة أمام شباب الجامعات بمحافظة السويس عن حجم التحديات التي تواجه الدولة المصرية، واعترف بوضوح بأن المواطن المصري يتحمل أعباء اقتصادية ومعيشية صعبة، وأن من حقه أن يتطلع إلى حياة أفضل ودخل أكبر وظروف معيشية أكثر استقرارًا، تليق به وبأسرته وبمكانة الدولة المصرية.

وتكمن أهمية حديث رئيس الوزراء في أنه لم يتجاهل معاناة المواطنين، ولم ينكر أن هناك فجوة بين ما تحقق من تطوير في بعض الخدمات والمشروعات، وبين ما ينتظره المواطن من تحسن ملموس في مستوى دخله وقدرته على تلبية احتياجات أسرته. فالمواطن الذي يرى طرقًا جديدة ومشروعات قومية وتطويرًا في البنية الأساسية، من حقه أيضًا أن يسأل عن نصيبه من ثمار التنمية، ومتى يشعر بأن هذه الإنجازات انعكست بصورة مباشرة على حياته اليومية.

وهنا تكمن القضية الحقيقية التي يجب أن تكون في صدارة أولويات الحكومة، كيف يتحول ما تحقق من مشروعات وإنجازات إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، وكيف يشعر المواطن بأن ثمار التنمية وصلت إلى بيته وأسرته، وأن جهده وصبره وتضحياته لم تذهب هباءً؟

الاعتراف بمعاناة المواطن خطوة على الطريق الصحيح

لقد عبّر الدكتور مصطفى مدبولي عن حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن المواطن المصري، مهما لمس من تحسن في بعض الخدمات، يظل مشغولًا بقضية الدخل وتكاليف المعيشة والقدرة على توفير احتياجات أسرته، وتأمين مستقبل أبنائه.

وهذا أمر طبيعي تمامًا، فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بعدد المشروعات التي تُفتتح فقط، وإنما يقيسها أيضًا بقدرته على شراء احتياجاته الأساسية، وتوفير الغذاء والدواء، وسداد فواتير الكهرباء والمياه، وتحمل تكاليف التعليم والمواصلات والسكن، دون أن يجد نفسه مضطرًا إلى الاستغناء عن احتياجات ضرورية أو الاستدانة لاستكمال الشهر.

ومن هنا، فإن اعتراف رئيس الوزراء بهذه الحقيقة يمثل خطوة إيجابية في التعامل مع الواقع، لأن مواجهة المشكلات تبدأ بتحديدها والاعتراف بها، وليس بتجاهلها أو التقليل من آثارها.

لكن الاعتراف وحده لا يكفي؛ فالمواطن ينتظر أن يرى ترجمة عملية لهذه المصارحة في صورة قرارات وإجراءات يشعر بنتائجها في حياته اليومية، وتمنحه الأمل في أن القادم سيكون أفضل.

تحديات اقتصادية وتنموية لا يمكن تجاهلها

لقد أشار رئيس الوزراء إلى مجموعة من التحديات التي مرت بها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، بدءًا من الاضطرابات السياسية والأمنية التي أعقبت أحداث عام 2011، مرورًا بمخاطر الإرهاب وعدم الاستقرار، وصولًا إلى الأعباء الاقتصادية وتراكم المشكلات التي امتدت لعقود طويلة.

كما تحدث عن صعوبة تحقيق التنمية في فترة زمنية قصيرة، مستشهدًا بتجارب دول استطاعت أن تحقق تقدمًا اقتصاديًا كبيرًا بعد سنوات طويلة من العمل والتخطيط والإصرار على تنفيذ برامجها التنموية.

ولا شك أن فهم هذه الظروف ضروري لتقييم ما تحقق من إنجازات، كما أن الحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها يمثل ضرورة أساسية لاستمرار البناء والتنمية.

غير أن التحديات التي تواجه مصر اليوم لا تقتصر على الملفات السياسية والأمنية أو احتياجات البنية الأساسية، بل تمتد إلى ملفات اقتصادية واجتماعية تمس حياة ملايين المواطنين بصورة مباشرة.

وفي مقدمة هذه الملفات ارتفاع تكاليف المعيشة، والحاجة إلى زيادة الدخول الحقيقية، وتوفير فرص عمل مستقرة للشباب، وتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير المناطق السكنية القديمة، وتخفيف الأعباء عن الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

وهناك أيضًا تحدي تحقيق التوازن بين استمرار الاستثمار في المشروعات التنموية الكبرى، وتوجيه المزيد من الاهتمام إلى القطاعات التي تحقق عائدًا مباشرًا على المواطن، وتوفر فرص العمل، وتزيد الإنتاج، وترفع القدرة الشرائية للأسر المصرية.

فالمواطن لا يرفض التنمية، ولا يقلل من أهمية المشروعات القومية، لكنه يريد أن يشعر بأن التنمية ليست مجرد أرقام ومؤشرات، وإنما واقع أفضل يعيشه كل يوم.

ماذا ينتظر المواطن المصري من الحكومة؟

إن المواطن المصري لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر حلولًا سحرية لمشكلات تراكمت عبر سنوات طويلة، وإنما يتطلع إلى سياسات واضحة ونتائج ملموسة تعيد إليه الشعور بالأمان الاقتصادي والاجتماعي.

وأتصور أن هناك مجموعة من الأولويات التي ينبغي أن تتصدر عمل الحكومة خلال المرحلة المقبلة.

أولًا: تحسين الدخول الحقيقية للمواطنين.

فزيادة الأجور وحدها لا تحقق الهدف إذا ظلت الأسعار ترتفع بمعدلات تلتهم الزيادة، ولذلك فإن المطلوب هو العمل على تحسين القوة الشرائية للدخل، وربط سياسات الأجور بجهود السيطرة على التضخم، مع استمرار مراجعة أوضاع العاملين بالدولة وأصحاب المعاشات والفئات الأكثر احتياجًا وفقًا للإمكانات المتاحة.

ثانيًا: مواجهة الغلاء وضبط الأسواق.

وذلك من خلال تعزيز المنافسة، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، وتشديد الرقابة على الأسواق، وتطوير سلاسل الإمداد، وتوفير السلع الأساسية بكميات مناسبة وأسعار عادلة، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات كلما أمكن.

فالمواطن يحتاج إلى أن يلمس أثر هذه الإجراءات في أسعار السلع التي يشتريها يوميًا، لا أن تظل مكافحة الغلاء مجرد تصريحات تتكرر دون تغيير ملموس.

ثالثًا: توفير فرص عمل حقيقية للشباب.

لقد أحسن رئيس الوزراء عندما وضع الشباب في قلب حديثه، وأكد أهمية تطوير التعليم وربطه بمتطلبات سوق العمل، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تفرضها التكنولوجيا والعلوم الحديثة.

لكن المطلوب هو الانتقال من تطوير المهارات إلى توفير فرص العمل المناسبة، عبر تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع القاعدة الصناعية، وزيادة فرص التدريب المهني، وربط المناهج الدراسية باحتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة.

فالشاب المصري يريد فرصة عادلة لبناء مستقبله، وأن يجد وظيفة تضمن له دخلًا مناسبًا وتساعده على تكوين أسرة وتحقيق الاستقرار.

رابعًا: الارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية.

الصحة والتعليم ليسا مجرد قطاعين خدميين، بل يمثلان أساس بناء الإنسان المصري وضمان مستقبل الأجيال الجديدة.

ومن الضروري مواصلة تطوير المستشفيات والوحدات الصحية، وتحسين توافر الأدوية والمستلزمات الطبية، وتخفيف الأعباء عن المرضى، مع الاهتمام بجودة التعليم داخل المدارس والجامعات، وتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتوفير بيئة تعليمية تساعد الطلاب على اكتساب المعرفة والمهارات المطلوبة.

خامسًا: استكمال تطوير المناطق السكنية القديمة.

وقد أشار رئيس الوزراء بنفسه إلى أوضاع بعض الأحياء القديمة بمحافظة السويس، التي تحتاج إلى رفع الكفاءة وتطوير الخدمات والمرافق.

وهذا الملف لا يخص السويس وحدها، بل يمتد إلى مناطق عديدة في مختلف المحافظات، حيث ينتظر المواطنون تحسين الطرق الداخلية والصرف الصحي ومياه الشرب والإنارة والنظافة، وتطوير المدارس والوحدات الصحية، بما يضمن توفير حياة كريمة وآمنة لهم.

والمطلوب هنا هو وضع جداول زمنية واضحة للتطوير، وتحديد الأولويات وفقًا لاحتياجات المواطنين، مع متابعة التنفيذ على أرض الواقع.

سادسًا: تعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.

ففي ظل الضغوط الاقتصادية، تحتاج الأسر الأولى بالرعاية إلى برامج حماية اجتماعية أكثر كفاءة، تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتساعد على حماية الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة والأسر التي لا تمتلك مصادر دخل كافية.

كما ينبغي ألا يقتصر الدعم على مواجهة الاحتياجات العاجلة، بل يمتد إلى تمكين الأسر اقتصاديًا، ومساعدتها على العمل والإنتاج وتحقيق الاستقلال المالي كلما كان ذلك ممكنًا.

من المشروعات القومية إلى تحسين جودة الحياة

لقد بذلت الدولة جهودًا كبيرة في تطوير البنية الأساسية وتنفيذ مشروعات قومية في قطاعات متعددة، وهو أمر يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم مسيرة التنمية.

لكن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز بصورة أكبر على تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من هذه الاستثمارات، وزيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية في النمو، وتعزيز الصناعة والزراعة والتصدير، وتوفير فرص عمل مستدامة.

فكل مشروع يجب أن تكون له قيمة مضافة واضحة، سواء من خلال زيادة الإنتاج، أو توفير فرص العمل، أو تحسين الخدمات، أو خفض تكاليف التشغيل، أو تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات الخارجية.

كما أن ترشيد الإنفاق العام، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، وتحديد أولويات الإنفاق وفقًا للعائد المتوقع، تمثل جميعها أدوات مهمة لتخفيف الضغوط الاقتصادية دون تعطيل مسيرة التنمية.

والأهم أن يشعر المواطن بأن الحكومة لا تنشغل فقط بمعدلات النمو، وإنما تهتم أيضًا بكيفية توزيع ثمار هذا النمو، ومدى انعكاسه على مستوى معيشة الناس.

الوعي بالتحديات لا يعني تجاهل المطالب

لقد شدد الدكتور مصطفى مدبولي على أهمية تعريف الشباب بما مرت به مصر من ظروف صعبة، وما واجهته الدولة من تحديات خلال السنوات الماضية، وهو أمر مهم لبناء وعي حقيقي لدى الأجيال الجديدة.

لكن بناء الوعي لا يتحقق بعرض التحديات وحدها، وإنما يتطلب أيضًا فتح المجال أمام الحوار الصريح، والاستماع إلى مشكلات المواطنين، والرد على تساؤلاتهم، وتوضيح ما تستطيع الحكومة تنفيذه، والمدة الزمنية اللازمة لذلك.

الشباب الذي يستمع إلى حديث رئيس الوزراء عن ضرورة الحفاظ على الوطن، يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يرى أمامه مستقبلًا واضحًا، وفرصًا حقيقية للعمل والتقدم، وإمكانية الحصول على سكن مناسب، وبناء أسرة، وتحقيق طموحاته المشروعة.

والمواطن الذي يتحمل الأعباء الاقتصادية يحتاج إلى أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن شكواه محل اهتمام، وأن هناك خطوات عملية لمعالجة المشكلات التي يواجهها.

إن الثقة بين المواطن والحكومة تتعزز عندما تتوافر الشفافية، وتُعلن الحقائق بوضوح، وتُحدد الأولويات، وتُنفذ التعهدات، وتُراجع النتائج بصورة مستمرة.

الحياة الكريمة حق مشروع لكل مصري

إن ما يتمناه المواطن المصري ليس أكثر من حياة كريمة تليق ببلده وتاريخه وقدرات شعبه؛ حياة يستطيع فيها توفير احتياجات أسرته الأساسية، ويحصل فيها على خدمة صحية جيدة، وتعليم مناسب لأبنائه، وفرصة عمل عادلة، وسكن آمن، ودخل يكفيه للعيش بكرامة.

وهذا الطموح ليس ترفًا، ولا يتعارض مع إدراك حجم التحديات التي تواجه الدولة، بل يمثل الهدف الأساسي الذي ينبغي أن تتجه إليه جميع خطط الإصلاح والتنمية.

فالحفاظ على استقرار الوطن لا ينفصل عن تحسين مستوى معيشة المواطنين، كما أن بناء اقتصاد قوي لا يكتمل إلا عندما يشعر الناس بنتائجه في حياتهم اليومية.

ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة هو مواصلة العمل على مسارين متوازيين: الأول، الحفاظ على استقرار الدولة ومواصلة الإصلاحات الضرورية وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني، والثاني، تسريع وتيرة تحسين مستوى المعيشة وتخفيف الأعباء عن المواطنين، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر تأثرًا بالظروف الاقتصادية.

كما أن نجاح هذه الجهود يحتاج إلى تكامل الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع، وتعزيز الإنتاج والعمل، ومواجهة الهدر والفساد، وتوجيه الموارد إلى المشروعات والقطاعات الأكثر قدرة على تحقيق عائد مباشر ومستدام.

كلمة أخيرة

إن حديث الدكتور مصطفى مدبولي أمام شباب الجامعات بمحافظة السويس يستحق التوقف أمامه، لأنه تضمن اعترافًا واضحًا بأن المواطن المصري يعاني من أعباء اقتصادية، وأن من حقه أن يتطلع إلى تحسن دخله وظروفه المعيشية، وأن يوفر لأبنائه مستقبلًا أفضل.

وهذه المصارحة تمثل بداية مهمة، لكن الأهم أن تتحول إلى برنامج عمل واضح، تتحدد فيه الأولويات، وتُقاس فيه النتائج، ويشعر المواطن بآثاره على أرض الواقع.

فالمواطن المصري الذي تحمل الكثير من الصعاب، وساند دولته في مواجهة تحديات عديدة، يستحق أن يرى ثمار التنمية في حياته اليومية، وأن يجد أمامه أملًا حقيقيًا في غد أفضل.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من مشروعات وإمكانات، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها، وتحسين مستوى معيشتهم، وتوفير الفرص لأبنائها، وتحقيق العدالة في إتاحة ثمار التنمية.

ولذلك، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج بها الحكومة من لقاء السويس هي أن الحفاظ على الوطن وبناء مستقبله يتطلبان الاستمرار في التنمية، وفي الوقت نفسه وضع المواطن في قلب هذه التنمية، بحيث لا يشعر بأن عليه الانتظار طويلًا حتى يلمس نتائجها.

مصر تستحق الأفضل، وشعبها يستحق حياة كريمة، وشبابها يستحقون مستقبلًا أكثر استقرارًا وأملًا. وتحقيق ذلك ليس مسؤولية المواطن وحده، وإنما هو الهدف الذي يجب أن تتضافر من أجله جهود الدولة كلها.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

موضوعات متعلقة