كتبت إيمي سراج الدين .. «الحارة 7» حين يتحول حلم الطفل إلى سؤال أمام القضاء
يوسف لم يكن رقمًا في كشف بطولة.. كان طفلًا ينتظر أن يعود إلى أمه
هناك أرقام تمر علينا عابرة... وهناك أرقام تظل عالقة في الذاكرة إلى الأبد.
الحارة رقم 7 كانت بالنسبة لي مجرد حارة سباق.. إلى أن جاء يوسف.
يوسف محمد أحمد عبد الملك، السباح الصغير من مواليد 2013، الذي نزل إلى مياه استاد القاهرة للمشاركة في بطولة الجمهورية، بحثًا عن الفوز كما يفعل كل طفل يحمل حلمًا أكبر من عمره
لم يكن يعرف أن سباقه الأخير سيحول رقم الحارة إلى شاهد على واحدة من أكثر الوقائع إيلامًا في الرياضة المصرية.
بحسب ما كشفته التحقيقات والحيثيات القضائية، وصل يوسف إلى نهاية سباق الـ50 متر ظهر، ثم تهاوى إلى قاع المسبح، وبقي هناك 3 دقائق و34 ثانية قبل اكتشافه أثناء فعاليات السباق التالي.
ثلاث دقائق و34 ثانية .. 224 ثانية كاملة، بالنسبة لساعة التوقيت، مجرد رقم.. وبالنسبة لطفل تحت الماء... كانت الفاصل بين الحياة والموت.
لكن الحكاية بالنسبة لي ليست خبرًا أقرأه ثم أغلق الصفحة.
أنا أم لبطلة سباحة ..
وقبل واقعة يوسف بيومين فقط، كانت ابنتي جودي رسلان تخوض بطولة لمواليد 2014... وفي الحارة نفسها: الحارة 7.
وقتها كنت أمًا تنتظر ابنتها بعد السباق .. أراقب المياه .. أحسب الثواني .. أنتظر أن تخرج جودي وتبتسم .. لم أكن أعرف أنني بعد أيام قليلة سأعود إلى الصورة نفسها، لكن بعين مختلفة تمامًا.
بعد يوسف، لم تعد الحارة رقمًا.
أصبحت سؤالًا.
من يراقب الطفل عندما ينزل إلى المياه؟ من يتأكد أنه خرج من الحوض؟ من يلاحظ غيابه؟ من يتصرف في الثانية الأولى؟ وهل منظومة التأمين والإنقاذ مصممة فعلًا لحماية الأطفال، أم أننا لا نتذكر أهميتها إلا بعد وقوع الكارثة؟
هذه ليست أسئلة أم خائفة فقط . هذه أسئلة يجب أن تطرحها كل بطولة أطفال .. لأن الطفل عندما ينزل إلى الماء لا يحمل ميدالية فقط... يحمل ثقة أسرة كاملة.
والتحقيقات لم تتحدث عن مجرد حادث عابر؛ إذ كشفت مراجعة النيابة للمقاطع المصورة أن يوسف سقط في قاع الحوض دون أن يلحظه المسؤولون عن الإنقاذ أو الحكام، كما أشارت التحقيقات إلى عدم استيفاء الملف الطبي للطفل الإجراءات الطبية التي أوجبها الكود الطبي للمشاركة في البطولات.
ثم جاءت المحاكمات والأحكام.
وفي الصورة التي أمامنا، حكم قضائي إداري يتضمن اتخاذ إجراءات لحرمان رئيس وأعضاء مجلس إدارة الاتحاد المصري للسباحة من صلاحية عضوية مجالس إدارات الهيئات الرياضية لمدة خمس سنوات، مع حل مجلس إدارة الاتحاد واتخاذ الإجراءات اللازمة لتسيير شؤونه لحين انتخاب مجلس جديد.
وفي المسار الجنائي، صدرت أحكام بحق الحكم العام وثلاثة من أفراد طاقم الإنقاذ، وأيدت محكمة الاستئناف أحكام الحبس الصادرة بحقهم.
وهنا يجب أن نتوقف.
ليس لأن القضية انتهت بالحكم... بل لأن السؤال الحقيقي يبدأ بعد الحكم.
ماذا تغير؟
هل أصبحت سلامة الطفل هي الأولوية المطلقة في بطولات السباحة؟ هل أصبحت مراقبة كل حارة وكل سباق مسؤولية لا تحتمل الخطأ؟ هل أصبح عدد المشاركين متناسبًا مع الإمكانات التنظيمية والفنية والطبية؟ وهل أصبحت إجراءات الإنقاذ محسوبة بالثانية، لأن الثانية في الماء قد تعني حياة إنسان؟
هذه الأسئلة ليست رفاهية.. ولا هي محاولة لتخويف الأهالي من الرياضة.
على العكس تمامًا.
أنا لا أريد للأمهات أن يهربن من الرياضة، أنا أريد أن يذهبن بأطفالهن إلى البطولات وهن مطمئنات ، أريد للطفل أن ينزل إلى الماء وهو يفكر في رقمه الجديد، لا في احتمالية أن لا يراه أحد، أريد للمدرب أن يفكر في تطوير بطله.. وللحكم أن يفكر في عدالة السباق .. وللمنقذ أن تكون عينه على الطفل قبل أن تكون على الساعة.
لأن الرياضة الحقيقية لا تقيس نجاحها بعدد الميداليات فقط، الرياضة الحقيقية تقاس بعدد الأطفال الذين عادوا سالمين إلى بيوتهم.
أما أنا...
فبعد يوسف، اتخذت قرارًا مؤلمًا. رغم تفوق جودي في السباحة وحبها لها، تركنا السباحة.. لا لأنها لم تكن بطلة. بل لأنها كانت بطلة... وأنا كنت أمًا خائفة.
وهنا أخشى أن تكون هذه هي الخسارة التي لا تظهر في كشوف البطولات. طفل موهوب يترك اللعبة. طفلة متفوقة تتراجع. أسرة تفقد الثقة. وأم تقول لابنها: «بلاش سباحة.»
ليس لأن الطفل لا يستطيع... ولكن لأن الأم لم تعد تشعر بالأمان.
وهذا، في رأيي، أخطر ما يمكن أن تتركه مأساة يوسف خلفها.
يوسف لم يكن مجرد سباح غاب من كشف النتائج. كان طفلًا له أم تنتظره. وأب ينتظر عودته. وبيت ينتظر خطواته. وحلم لم يكتمل.
كان يجب أن يعود من البطولة ويحكي لأسرته عن سباقه. كان يجب أن يحمل ميدالية. كان يجب أن يعود إلى تدريبه التالي. كان يجب أن يكبر. كان يجب أن يعيش.
ولذلك، فإن رسالتي اليوم ليست فقط للمسؤولين.
رسالتي لكل أم بطل: لا تقتلي حلم طفلك خوفًا عليه... لكن لا تسمحي أيضًا أن يدفع طفلك ثمن أي خلل في منظومة يفترض أن تحميه.
ولكل بطل صغير: اسبح... نافس... احلم... اكسر أرقامك...
فنحن نريد أن نراك على منصات التتويج. نريد أن نصفق لك. نريد أن نرى اسمك في المنتخبات.
لكننا نريد شيئًا واحدًا قبل كل شيء: أن تعود إلى بيتك.
يوسف...
ربما لم أعرفك قبل أن تصبح قصتك قضية. لكنني عرفتك بعد أن أصبح اسمك حاضرًا في كل أم تخاف على طفلها. وعرفتك أكثر عندما عرفت أن حارتك كانت الحارة 7...
الحارة التي كانت ابنتي فيها قبل رحيلك بيومين. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الرقم بالنسبة لي مجرد رقم. أصبح شاهدًا.
شاهدًا على حلم طفل لم يكتمل. وشاهدًا على أم تنتظر ابنها. وشاهدًا على سؤال يجب ألا يسقط من الذاكرة: من يحمي أبطالنا الصغار عندما ينزلون إلى الماء؟ لأن البطولة ليست أن يفوز الطفل بالسباق فقط... البطولة الحقيقية أن نعيده سالمًا إلى أمه.
رحم الله يوسف. وحفظ كل طفل يطارد حلمه... وحفظ معه حقه في أن يعود إلى البيت.


























