د. رحاب عبد المنعم تكتب: المنطقة الرمادية..عفوًا!
قد يعكس اللون الرمادي دلالات أكثر دفئًا واستقرارًا، لكنه في أحيان أخرى؛ يمثل معنًا صارخًا للضعف، والتهاون، وعدم القدرة على المواجهة، والعجز عن اتخاذ القرارات الحاسمة، ذلك لأن الإنسان الساعي نحو نيل رضا جميع الأطراف في جل المواقف هو شخص خبيث؛ يبحث عن راحة نفسية زائفة؛ على حساب المبادئ، والقيم الأخلاقية المطلقة.
وإن اقتربنا بعدسة التحليل النفسي من الشخص الرمادي، سنجد أنه عديم المبادئ، يبرر أفعاله وتصرفاته النكراء بدافع تجنب الصراع، والبحث عن الهدوء الأجوف، فهو يبحث دومًا عن راحته الذاتية الناجمة من خموله القيمي، وضميره المتعفن؛ سلاحه الرئيس هو الكذب على ذاته؛ قبل التوجه بالنفاق والتملق لكل ذي سلطة عليه، وكلما ارتقى شأن صاحب المصلحة؛ كلما زاد نصيبه من وصلات النفاق ذات الألفاظ الركيكة المماثلة لركاكة شخصيته، وانحطاط شأنه.
وفي حياتنا اليومية عشرات الأنماط من الشخصيات الرمادية؛ ذلك لأن الإعلام الرقمي قد أضفى المزيد من السطحية في علاقاتنا الاجتماعية؛ التي تشكلت نتاجًا لواقع افتراضي؛ يحمل القليل من الواقعية، والكثير من المبالغة، والتهويل، فتتعرض تفاعلاتنا الاتصالية للتدعيم أو الانتهاك؛ لمجرد تأثرها بإشارات إلكترونية؛ كمعدلات الإعجاب، والتعليقات، والتفاعلات، وغيرها من محفزات المجتمع الافتراضي، لكنها تحمل- غالبًا- من الزيف، والكذب، والخداع أكثر مما تحمل من الصدق، والثقة، والإخلاص.
وقد نتأثر لاشعوريًا بهذه الشخصيات الرمادية عديمة المبادئ؛ ذلك لأنهم يحاولون دائمًا استقطاب معارفهم، والمحيطين بهم نحو المنطقة الرمادية الدافئة، كي يشعروا بالقوة، والهيمنة النفسية، التي تخفي أمراضهم النفسية، وتحيزاتهم العاطفية لجماعات القطيع، تلك الجماعات التي تمثل لديهم سيطرة اجتماعية رمزية؛ تحرك رغباتهم نحو الشعور بالانتماء، والقبول، وإن أتت هذه المعاني من الفئات والطبقات الاجتماعية السائدة بظلمها، وقهرها؛ لا بعدلها، وحكمتها، ونزاهتها.
إياك والانجراف نحو مستنقع الرمادية؛ وإن حاولوا مرارًا وتكرارًا استقطابك، والضغط على مشاعرك، فإن تدبرت الأمر؛ ستجد في ممارسة الضغوط عليك إعلاء لشأنك، واعترافًا صريحًا بعلو قيمتك، وبشخصيتك المهنية القوية، التي لا تقبل أي تهاون، ولا تسمح لثمة محاولة؛ للتنازل عن مبادئها؛ سيجدون في صلابة مواقفك، ونزاهة قراراتك فضحًا لدناءة أفعالهم، وحقارة شخصياتهم، فلا تحرمهم من هذا الشعور، بل كن عاملًا جوهريًا في تفاقمه.

















.jpeg)


