النائب أحمد قورة يكتب: هل ينجح ترامب في ترويض نتنياهو؟
في عالم السياسة لا توجد صداقات دائمة، ولا تحالفات مطلقة، وإنما مصالح تتقدم وتتراجع وفق حسابات القوة والنفوذ، ولذلك جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتثير العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وحول ما إذا كانت هذه التصريحات تمثل مجرد رسائل ضغط سياسية أم أنها تعكس تحولاً حقيقياً في طبيعة العلاقة بين الطرفين.
فعندما يصف ترامب نتنياهو بأنه "يندفع أكثر من اللازم"، وعندما يؤكد أنه يجب إبقاؤه "عاقلاً"، وعندما يعلن صراحة أن إسرائيل ستفعل ما يطلبه منها، فإننا أمام لغة غير معتادة في الحديث عن الحليف الإسرائيلي الذي ظل لعقود طويلة يتمتع بدعم أمريكي شبه مطلق.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا حدث حتى يصل الأمر إلى هذا المستوى من الانتقاد العلني؟ وهل أصبحت واشنطن تشعر بأن حكومة نتنياهو باتت عبئاً على المصالح الأمريكية في المنطقة؟ أم أن الإدارة الأمريكية تخشى بالفعل من أن تؤدي مغامرات نتنياهو العسكرية إلى إشعال الشرق الأوسط بالكامل؟
الأكثر إثارة أن التحذيرات لم تأت فقط من البيت الأبيض، بل سبقتها تقارير تتحدث عن مخاوف لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية من أن يقوض نتنياهو أي جهود تستهدف الوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد مع إيران، وهو ما يكشف عن وجود فجوة متزايدة بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية تجاه مستقبل المنطقة.
لكن السؤال الأهم: هل يمتلك ترامب بالفعل القدرة على كبح جماح نتنياهو إذا قرر الأخير المضي في خيارات التصعيد العسكري؟ وهل تستطيع الإدارة الأمريكية منع إسرائيل من توسيع دائرة الصراع لتشمل جبهات جديدة في لبنان أو سوريا أو غيرهما؟ أم أن الحكومة الإسرائيلية ستواصل سياسة فرض الأمر الواقع كما فعلت في العديد من الملفات السابقة؟
كما تطرح تصريحات جيه دي فانس بدورها تساؤلات لا تقل أهمية، فعندما يذكر الإسرائيليين بأن معظم الأسلحة التي تحميهم أمريكية الصنع وممولة من دافعي الضرائب الأمريكيين، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدعم الأمريكي ليس شيكاً على بياض، وأن الصبر الأمريكي قد تكون له حدود إذا ما تعارضت السياسات الإسرائيلية مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن.
وهنا يبرز سؤال جديد: هل بدأت الإدارة الأمريكية بالفعل في استخدام ورقة المساعدات العسكرية للضغط على حكومة نتنياهو؟ وهل يمكن أن نشهد مستقبلاً شروطاً أمريكية أكثر صرامة مقابل استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل؟
ومن ناحية أخرى، هل يدرك قادة إسرائيل حجم التغيرات التي تشهدها الساحة الدولية؟ وهل ما زال بإمكانهم الاعتماد على الدعم الغربي غير المشروط كما كان الحال في العقود الماضية؟ أم أن التحولات الجيوسياسية العالمية تفرض واقعاً جديداً يجعل من الضروري إعادة حساباتهم السياسية والعسكرية؟
ثم ماذا عن إيران؟ هل يمثل الاتفاق الأخير بداية مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية؟ أم أنه مجرد هدنة مؤقتة سرعان ما تنهار عند أول اختبار حقيقي؟ وهل ستلتزم جميع الأطراف ببنوده أم أننا سنكون أمام جولة جديدة من الاتهامات المتبادلة والضغوط السياسية والعسكرية؟
كما يظل السؤال مطروحاً حول الدول العربية، وهل ستنجح هذه التطورات في فتح نافذة جديدة نحو الاستقرار الإقليمي؟ أم أن المنطقة ستظل رهينة للصراعات والحروب والتجاذبات الدولية التي أنهكت شعوبها لعقود طويلة؟
الحقيقة أن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد خلاف سياسي بين ترامب ونتنياهو، فالمشهد يعكس صراعاً بين رؤيتين مختلفتين لإدارة الأزمات في الشرق الأوسط، رؤية ترى أن التسويات السياسية قد تكون أقل تكلفة من الحروب المفتوحة، ورؤية أخرى تعتقد أن القوة العسكرية هي السبيل الوحيد لفرض الوقائع وتحقيق الأهداف.
ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في الإجابة عن العديد من الأسئلة: هل يلتزم نتنياهو بالخطوط الحمراء التي تضعها واشنطن؟ وهل ينجح ترامب في فرض رؤيته على حليفه الأكثر إثارة للجدل؟ وهل تتحول التصريحات الأمريكية الأخيرة إلى إجراءات عملية على الأرض؟ أم أنها مجرد رسائل سياسية عابرة سرعان ما تتلاشى أمام تعقيدات الواقع؟
إن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما أن تنجح القوى الكبرى في احتواء بؤر التوتر وإطلاق مسار جديد للاستقرار، وإما أن تستمر دوامة التصعيد التي لا يعرف أحد إلى أين يمكن أن تقود المنطقة والعالم.
ويبقى السؤال الأكبر الذي ينتظر الجميع إجابته: هل نشهد بداية عصر جديد من التفاهمات السياسية، أم أننا نقف على أعتاب مواجهة أكبر لم تتضح ملامحها بعد؟
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق




















.jpeg)


