بوابة الدولة
الأربعاء 1 يوليو 2026 06:40 مـ 15 محرّم 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
الدفع بـ7 سيارات إطفاء لإخماد حريق داخل مخزن فى مؤسسة الزكاة وزارة التعليم بأسيوط يلتقى موجهى المواد الأساسية والانشطة بإدارة ساحل سليم التعليمية جدول مباريات كأس العالم.. موعد مباراة منتخب مصر وأستراليا في دور الـ32 مدير تعليم أسيوط يتفقد البرنامج العلاجى والأنشطة الصيفية بإدارة ساحل سليم التعليمية مجلس إدارة مركز النيل للتنوير والإشعاع الثقافي بجامعة أسيوط يناقش تطوير الأنشطة وفد برنامج إدارة مياه دلتا النيل يكرم المزارعين ويتابع تنفيذ الأنشطة ميدانيا في البحيرة بدء تجهيزات مدينة الصحفيين بحدائق أكتوبر ضربة جديدة لتجار التلاعب بالدعم تحرير 8 محاضر تموينية وضبط مخالفات جسيمة في حملة مكبرة بالفشن لجنة الحج بنقابة الصحفيين تُجري القرعة العلنية للعمرة المجانية المخصصة لصحفيي مدن القناة والشرقية الإثنين 6 يوليو حفل تأبين الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ صالح إبراهيم طرح البوستر الرسمى لفيلم خلى بالك من نفسك استعدادا لانطلاقه فى السينمات الصحفيين تنعي اللواء الشربيني وأبطال الحماية المدنية الذين استشهدوا في حريق منشأة ناصر

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : اللواء محمد الشربيني.. وداعًا فارس الحماية المدنية

الكاتب الصحفى صالح شلبى
الكاتب الصحفى صالح شلبى

لم يكن اللواء الدكتور محمد الشربيني مجرد اسم يتصدر عناوين الأخبار بعد استشهاده، ولم يكن مجرد مسؤول أمني يتابع الحرائق من خلف جدران غرف العمليات، بل كان رجلًا آمن بأن القيادة مسؤولية قبل أن تكون منصبًا، وأن القائد الحقيقي هو من يكون في مقدمة رجاله عندما تشتد المحن، لا من يكتفي بإصدار التعليمات عن بعد.

وهكذا عاش.. وهكذا رحل.

في قلب النيران، وبين الدخان وألسنة اللهب، وأثناء مشاركته بنفسه في قيادة عمليات إخماد حريق منشأة ناصر، أصيب إثر انهيار عقار، ثم ارتقى شهيدًا، ليكتب بدمائه الفصل الأخير في رحلة طويلة من الشرف والبطولة، ويؤكد أن هناك رجالًا لا يعرفون طريقًا سوى أداء الواجب مهما كانت التضحيات.

لقد سبق القدر أن منح هذا البطل تكريمًا يليق بعطائه، عندما منحه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أشهر قليلة نوط الامتياز من الطبقة الأولى، تقديرًا لمسيرته الوطنية وجهوده المخلصة في خدمة الوطن. وكأن هذا الوسام كان شهادة تقدير من الدولة لرجل أفنى عمره في إنقاذ الأرواح، قبل أن ينال أعظم الأوسمة جميعًا... وسام الشهادة.

كان اللواء الدكتور محمد الشربيني أحد أبرز قيادات الحماية المدنية في مصر، جمع بين العلم والخبرة والشجاعة. لم يكن يكتفي بخبراته الميدانية، بل حصل على درجة الدكتوراه في علوم الشرطة عن دراسة تناولت توظيف التكنولوجيا الحديثة ونظم المعلومات الجغرافية في إدارة الكوارث، إيمانًا منه بأن العلم هو السلاح الأقوى في إنقاذ الأرواح، وأن تطوير منظومة الحماية المدنية واجب لا يقل أهمية عن مواجهة الحرائق نفسها.

وخلال سنوات خدمته، شارك في إدارة عشرات الحرائق الكبرى وعمليات الإنقاذ المعقدة، وكان حاضرًا في كل موقع يستدعي التضحية، من حرائق المصانع إلى انهيارات العقارات، ومن البلاغات الطارئة إلى الكوارث الكبرى، حتى أصبح اسمه مرادفًا للشجاعة والانضباط والالتزام.

لكن الحديث عن الشهيد اللواء الدكتور محمد الشربيني يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن المؤسسة التي صنعت هذا النموذج الفريد، وزارة الداخلية المصرية،على امتداد تاريخها، أثبتت وزارة الداخلية أنها ليست مجرد مؤسسة أمنية تُعنى بحفظ النظام، وإنما صرح وطني عريق يقوم على عقيدة راسخة عنوانها حماية الوطن والمواطن مهما بلغت التحديات، وقدمت عبرعقود طويلة، آلاف الرجال الذين آمنوا بأن الواجب يسبق الراحة، وأن أمن المصريين يستحق أن تُبذل من أجله الأرواح.

واليوم، تواصل الوزارة أداء رسالتها بقيادة اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، الذي يحرص على تطوير مختلف قطاعات الوزارة، ودعم قدراتها البشرية والفنية، وتعزيز كفاءة رجال الشرطة في مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية، إيمانًا بأن رجل الشرطة المصري هو خط الدفاع الأول عن أمن الوطن، وأن الاستثمار الحقيقي يكمن في إعداد كوادر قادرة على حماية المواطنين والتعامل مع مختلف الأزمات والكوارث بكفاءة واحترافية.

ولم تكن تضحيات رجال الداخلية وليدة اليوم، وإنما تمتد جذورها إلى صفحات مضيئة من التاريخ الوطني، وفي مقدمتها ملحمة الإسماعيلية الخالدة في الخامس والعشرين من يناير عام 1952، عندما وقف رجال الشرطة المصرية في مواجهة قوات الاحتلال الإنجليزي، رافضين تسليم مواقعهم رغم الفارق الكبير في التسليح والعدد، قاتلوا حتى آخر طلقة، وسقط منهم الشهداء دفاعًا عن كرامة الوطن وسيادته، لتتحول تلك الملحمة إلى رمز خالد للفداء، ومنها استحق رجال الشرطة أن يكون يوم الخامس والعشرين من يناير عيدًا للشرطة المصرية.

إنها عقيدة لم تتغير، من رجال الإسماعيلية الذين واجهوا الاحتلال، إلى رجال الحماية المدنية الذين يواجهون النيران، ومن أبطال مكافحة الإرهاب إلى رجال المرور والنجدة والحماية المدنية، جميعهم يؤدون رسالة واحدة، عنوانها التضحية من أجل مصر.

وكان اللواء الدكتور محمد الشربيني أحد أبناء هذه المدرسة الوطنية العريقة، لم ينتظر يومًا أن يطلب منه أحد النزول إلى موقع الخطر، بل كان يسبق الجميع إليه، مؤمنًا بأن القائد لا يقود من الخلف، وإنما يتقدم الصفوف، ويشارك رجاله كل لحظة من لحظات المواجهة.

وحين اندلع حريق منشأة ناصر، لم يتردد في التوجه إلى الموقع، وأشرف بنفسه على عمليات الإطفاء والإنقاذ، وظل بين رجاله حتى أصيب بالإصابات التي أودت بحياته، ليضرب أروع الأمثلة في الإخلاص والوفاء بالقسم الذي أقسمه يوم ارتدى الزي الرسمي.

وجاءت كلمات الرثاء لتعكس حجم الفقد، حيث نعى الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، الشهيد مؤكدًا أنه ظل في مقدمة رجاله حتى اللحظة الأخيرة، كما ودعت مصر معه النقيب عبد الرحمن العدوي، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد السيد صبرة، وأحمد محمد محمود، الموظف بوزارة الكهرباء، الذين استشهدوا أثناء أداء واجبهم في مواجهة الحريق.

وفي جنازته المهيبة، التي خرجت من مسجد الشرطة بالتجمع بحضور قيادات وزارة الداخلية وقطاع الحماية المدنية ومديرية أمن القاهرة، لم يكن المشهد مجرد وداع لضابط كبير، بل كان وداعًا لقيمة إنسانية ووطنية جسدتها حياة رجل اختار أن يهب عمره لخدمة الآخرين، حتى كانت آخر أنفاسه وهو يحاول إنقاذ أرواح لا يعرف أصحابها.

إن الشهداء لا يرحلون حقًا، بل يظلون أحياء في ضمير الوطن، تتردد أسماؤهم مع كل موقف بطولة، وتبقى سيرتهم مصدر إلهام للأجيال القادمة.

سيظل اسم اللواء الدكتور محمد الشربيني محفورًا في سجل الشرف، ليس لأنه استشهد فحسب، بل لأنه عاش حياته كلها وفيًا للقسم، مخلصًا لرسالته، مؤمنًا بأن الوطن يستحق كل تضحية.

سلامًا على روح الشهيد اللواء الدكتور محمد الشربيني، وسلامًا على كل رجال وزارة الداخلية الذين يواصلون أداء رسالتهم في صمت، يحملون أرواحهم على أكفهم من أجل أن يبقى الوطن آمنًا مطمئنًا. وسيظل التاريخ شاهدًا على أن المؤسسات العظيمة تُقاس بعظمة رجالها، وأن وزارة الداخلية المصرية ستبقى، كما كانت دائمًا، حصنًا منيعًا للدولة، ومدرسةً في الشرف والوفاء والتضحية، يكتب أبناؤها صفحات المجد بعرقهم، ويختمها الشهداء بدمائهم الزكية، لتظل راية مصر خفاقة، قوية بأبنائها المخلصين، وعصية على كل من يحاول النيل من أمنها واستقرارها.

كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية ونائب رئيس شعبة المحرريين البرلمانيين

موضوعات متعلقة