من قاعات المحاكم إلى الشاشات الذكية.. قانون الإجراءات الجنائية الجديد يطلق عصر العدالة الرقمية في مصر
في واحدة من أهم خطوات تحديث منظومة العدالة المصرية خلال العقود الأخيرة، جاء قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 172 لسنة 2025 ليؤسس لمرحلة غير مسبوقة من التحول الرقمي داخل أروقة القضاء، واضعًا التكنولوجيا الحديثة والاتصالات الرقمية والذكاء الاصطناعي في قلب العملية القضائية، بهدف تسريع إجراءات التقاضي وتحقيق العدالة الناجزة، دون الإخلال بالضمانات الدستورية وحقوق الدفاع.
ولم يعد التقاضي عن بُعد إجراءً استثنائيًا فرضته ظروف طارئة أو تحديات لوجستية، بل أصبح خيارًا تشريعيًا واستراتيجيًا يعكس رؤية الدولة نحو بناء منظومة قضائية عصرية تتسم بالكفاءة والسرعة والشفافية، وتواكب التطورات العالمية في مجال العدالة الرقمية.
العدالة الرقمية.. عنوان المرحلة الجديدة
يشكل قانون الإجراءات الجنائية الجديد نقطة تحول فارقة في مسار تحديث المنظومة القضائية، بعدما منح غطاءً تشريعيًا متكاملًا لاستخدام تقنيات الاتصال المرئي الحديثة وإدارة الجلسات الجنائية إلكترونيًا عبر شبكات مؤمنة، بما يضمن سلامة الإجراءات القانونية ويحافظ على هيبة القضاء.
ويأتي هذا التحول ضمن استراتيجية أوسع للدولة تستهدف رقمنة الخدمات الحكومية وتطوير البنية التكنولوجية للمؤسسات العامة، لتصبح المحاكم جزءًا من منظومة رقمية مترابطة تعتمد على تداول المعلومات والوثائق إلكترونيًا بدلًا من الاعتماد التقليدي على الملفات الورقية.
ويرى الدكتور سيد حسن فراج الخبير القانوني والمتخصص فى قضايا الانترنت أن تطبيق العدالة الرقمية يمثل خطوة مهمة نحو بناء قضاء أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع الأعداد المتزايدة من القضايا، مع تقليل الوقت المستغرق في الإجراءات الروتينية.
المحكمة الافتراضية.. كيف تُدار الجلسات عن بُعد؟
وفقًا للمنظومة الجديدة، تتحول الجلسة الجنائية إلى مساحة رقمية متصلة تجمع جميع أطراف الدعوى في وقت واحد، مهما تباعدت أماكن وجودهم.
فالمتهم يمكنه حضور الجلسة من داخل مركز الإصلاح والتأهيل عبر قاعات مجهزة بأحدث تقنيات الاتصال المرئي، بينما يملك محاميه حرية اختيار الحضور من مكتبه أو من مقر احتجاز موكله أو من داخل قاعة المحكمة.
كما يمكن للنيابة العامة والخبراء الفنيين والأطباء الشرعيين والشهود المشاركة إلكترونيًا، وتقديم مرافعاتهم أو شهاداتهم أو تقاريرهم عبر أنظمة الاتصال المؤمنة، بما يقلل من الوقت اللازم للانتقال ويحد من أسباب تأجيل الجلسات.
ويؤكد فراج أن هذه الآلية تسهم في تسريع الفصل في القضايا وتخفيف الضغط على المحاكم، دون التأثير على جوهر العملية القضائية أو ضماناتها القانونية.
المادة 536.. حائط الصد الأول لحماية حقوق المتهم
رغم الانفتاح الواسع على التكنولوجيا، حرص المشرع على ألا تتحول الوسائل الرقمية إلى بديل ينتقص من الحقوق الدستورية للمتهم.
ولهذا جاءت المادة 536 من القانون الجديد لتضع ضمانات دقيقة تكفل حق الدفاع بصورة كاملة، حيث نصت على حضور المتهم دون قيود أو أغلال، وكفلت لمحاميه حق التواجد معه أثناء التحقيق أو المحاكمة عن بُعد، كما حظرت الفصل بين المتهم ومحاميه خلال سير الإجراءات.
وتُعد هذه المادة من أهم الضمانات التي تؤكد أن التكنولوجيا جاءت لخدمة العدالة لا لاستبدال مبادئها، وأن الحق في الدفاع سيظل أحد الثوابت التي لا يمكن المساس بها مهما تطورت وسائل التقاضي.
الذكاء الاصطناعي.. شريك جديد في تطوير العمل القضائي
ومع توسع الدولة في مشروعات التحول الرقمي، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد الأدوات الواعدة القادرة على إحداث نقلة نوعية في إدارة العدالة.
فالتقنيات الذكية يمكنها المساعدة في فهرسة ملايين المستندات القضائية، وتحليل البيانات القانونية، وتنظيم الملفات إلكترونيًا، واستخراج المعلومات المطلوبة خلال ثوانٍ بدلاً من ساعات أو أيام من البحث اليدوي.
كما يمكن الاستفادة من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إعداد قواعد بيانات قانونية متطورة تضم الأحكام والسوابق القضائية والتشريعات المختلفة، بما يساعد القضاة وأعضاء النيابة والمحامين على الوصول السريع إلى المعلومات الدقيقة، ويعزز من كفاءة اتخاذ القرار.
ويرى خبراء التكنولوجيا القانونية أن المستقبل قد يشهد توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في دعم الأعمال الإدارية والفنية داخل المحاكم، مع بقاء سلطة الفصل وإصدار الأحكام حقًا أصيلًا للقاضي وحده.
قواعد البيانات القضائية.. كنز معلوماتي يدعم صناعة القرار
أحد أهم المكاسب المنتظرة من تطبيق القانون الجديد يتمثل في بناء قواعد بيانات قضائية رقمية متكاملة تربط بين المحاكم والنيابات والجهات التنفيذية المختلفة.
وتوفر هذه القواعد إمكانية الوصول السريع إلى الملفات والأحكام والقرارات والإجراءات، بما يسهم في القضاء على مشكلات الأرشفة التقليدية ويحد من مخاطر فقدان المستندات أو تأخر تداولها.
كما تسمح البيانات الرقمية بإعداد مؤشرات وإحصاءات دقيقة حول معدلات القضايا وأنواع الجرائم ومتوسط مدد التقاضي، وهو ما يساعد متخذي القرار على تطوير السياسات العدلية استنادًا إلى معلومات حقيقية ومحدثة.
العدالة الناجزة.. المستفيد الأكبر من الرقمنة
يظل الهدف الرئيسي من تطبيق منظومة التقاضي عن بُعد هو تسريع وتيرة الفصل في القضايا وتحقيق العدالة في أقصر وقت ممكن.
فإجراءات مثل تجديد الحبس الاحتياطي أو سماع الشهود والخبراء كانت تستغرق أحيانًا وقتًا طويلًا بسبب إجراءات النقل والترحيل والتأمين، بينما تتيح التكنولوجيا إنجاز هذه الخطوات بصورة أسرع وأكثر مرونة.
كما يساهم الربط الإلكتروني بين الجهات القضائية والتنفيذية في إرسال القرارات والأحكام فور صدورها، بما يعزز سرعة التنفيذ ويحقق التكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.
خفض النفقات ورفع كفاءة المنظومة
لا تقتصر فوائد العدالة الرقمية على الجوانب القانونية فقط، بل تمتد إلى تحقيق وفورات اقتصادية كبيرة من خلال تقليل نفقات نقل المتهمين وتأمينهم، وخفض استهلاك الأوراق والمطبوعات، وتقليص الوقت والجهد المبذولين في تداول المستندات.
كما يساعد التحول الرقمي في رفع كفاءة الأداء الإداري داخل المحاكم، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين، وتخفيف العبء عن العاملين بالمنظومة القضائية.
مستقبل يبدأ الآن
يمثل قانون الإجراءات الجنائية الجديد أكثر من مجرد تعديل تشريعي؛ فهو إعلان رسمي عن دخول العدالة المصرية عصر الرقمنة الشاملة. وبينما تنتقل بعض إجراءات التقاضي من القاعات التقليدية إلى المنصات الإلكترونية، تتشكل ملامح منظومة قضائية جديدة تعتمد على المعرفة والبيانات والتكنولوجيا الحديثة، دون أن تتخلى عن مبادئها الراسخة في حماية الحقوق والحريات.
ومع استمرار تطوير البنية التحتية الرقمية، وتدريب الكوادر القضائية، وتوسيع الاعتماد على قواعد البيانات والذكاء الاصطناعي، تبدو مصر أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج متطور للعدالة الرقمية يجمع بين سرعة الإنجاز ودقة الإجراءات، ويجعل الوصول إلى العدالة أكثر سهولة وكفاءة في عالم تحكمه التكنولوجيا.























