بوابة الدولة
الأربعاء 29 يوليو 2026 01:12 مـ 13 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفي عوض العدوى يكتب: ناكرو الجميل.. يفضحهم الزمن وتسقطهم المواقف

عوض العدوى
عوض العدوى

هناك أناس مهما أغدقت عليهم من المعروف، ومهما احتضنتهم في أوقات الشدة، ومهما فتحت لهم أبواب قلبك وبيتك، فإنهم لا يرون في كل ذلك سوى فرصة جديدة لتحقيق مصالحهم. فإذا انتهت المصلحة، انقلبوا عليك وكأنك لم تكن يومًا سندًا لهم، ولا يدًا امتدت لإنقاذهم، ولا أخًا وقف إلى جوارهم. إنها فئة لا تعرف قيمة العِشرة، ولا تحفظ العيش والملح، ولا تؤمن بأن الوفاء شرف، وأن رد الجميل خلق لا يتوافر إلا في أصحاب النفوس الكريمة.

لقد علمتنا الحياة أن الإنسان قد يخطئ في تقدير الأشخاص، لكنه لا يخطئ طويلًا، لأن الأيام كفيلة بكشف المعادن. فالذهب يبقى ذهبًا مهما غطاه التراب، أما الصدأ فلا يستطيع أن يتخفى خلف بريق زائف إلى الأبد.

ولذلك كان الإمام الشيخ الجليل محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، يؤكد في دروسه أن الأخلاق هي المعيار الحقيقي للإنسان، وأن من أحسن إلى الناس ابتغاء وجه الله لا ينتظر منهم جزاءً ولا شكورًا، لأن الجزاء الحقيقي عند الله، أما البشر فتختلف معادنهم وطبائعهم.

وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا وضعت معروفك عند الكريم كافأك، وإذا وضعته عند اللئيم تمرد عليك." وهي حكمة تختصر تجارب البشر عبر العصور، فليس كل من تلقى المعروف أهلًا لحمله، وليس كل من ابتسم لك صادق النية.

أما المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود فقد كان يرى أن الأخلاق لا تُقاس بالكلام، وإنما بالمواقف، وأن الشدائد تكشف النفوس، وأن الإنسان قد يخفي حقيقته سنوات، لكنه يعجز عن إخفائها عندما تتعارض المصالح.

وكتب الأديب الكبير أنيس منصور كثيرًا عن طبائع البشر، مؤكدًا أن المناصب والثروة لا تغيّر الإنسان، وإنما تكشف حقيقته، فمن كان كريم النفس ازداد تواضعًا، ومن كان صغير النفس ازداد غرورًا وجحودًا.

كما كان الأستاذ مصطفى أمين يؤمن بأن السمعة هي رأس مال الإنسان الحقيقي، وأن الوفاء لا يُشترى بالمال، وإنما يُبنى بالتربية والأخلاق، ولذلك كان يعتبر أن ناكر الجميل يخسر احترام الناس قبل أن يخسر من أحسن إليه.

ولم يكن الأدب بعيدًا عن هذه الحقيقة، فقد قدّم الأديب العالمي نجيب محفوظ في رواياته، التي تحولت إلى أفلام خالدة، نماذج كثيرة لشخصيات ارتدت أقنعة الطيبة والوفاء، لكنها سرعان ما سقطت أمام أول اختبار للمصلحة. كان محفوظ يؤمن بأن الزمن هو القاضي العادل، وأن الشخصية الحقيقية لا يمكن أن تختبئ خلف الأقنعة إلى الأبد، لذلك كانت نهايات شخصياته دائمًا درسًا بليغًا لكل من يظن أن الخداع يمكن أن يستمر.

وسار الكاتب الصحفي الساخر الكبير محمود السعدني على النهج نفسه، ففضح في مقالاته بأسلوبه الساخر أصحاب الوجوه المتعددة، الذين يغيّرون مواقفهم بتغيّر مصالحهم، وسخر ممن يتسلقون أكتاف الآخرين ثم يتنكرون لمن صنعوا لهم اسمًا أو مكانة، مؤكدًا أن الزمن لا يترك أحدًا دون أن يكشف حقيقته.

ولأن الفن مرآة المجتمع، جاءت أغنيات الزمن الجميل لتعبر عن هذه المشاعر الإنسانية. وقد غنى الموسيقار الكبير فريد الأطرش في أكثر من عمل عن مرارة الغدر وخيبة الأمل عندما يكتشف الإنسان أن من وثق بهم لم يكونوا على قدر هذه الثقة، وهي معانٍ بقيت حاضرة في وجدان الجمهور لأنها تعكس واقعًا يعيشه كثيرون، فالغدر ونكران الجميل ليسا وليدي اليوم، وإنما صفة لازمت بعض النفوس في كل زمان.

إن العيش والملح في ثقافتنا المصرية ليسا مجرد كلمات، بل ميثاق شرف، وعهد لا ينقضه إلا من فقد أصله وأخلاقه. ومن لا يحفظ لقمة أكلها معك، لن يحفظ عهدًا، ولن يصون صداقة، ولن يقدر معروفًا. لذلك كان أجدادنا يقولون إن الأصل الطيب يظهر عند الشدة، أما الأصل الرديء فلا يلبث أن يفضحه أول امتحان.

ولا يعني ذلك أن نتوقف عن فعل الخير، فصاحب المعروف لا يندم على إحسانه، لأن ثوابه عند الله، لكنه يتعلم ألا يكرر الخطأ مع من أثبتوا أنهم لا يستحقون ثقته. فالخير يبقى خيرًا، أما الجحود فيبقى وصمة لا يمحوها مال ولا منصب ولا جاه.

وأقول لكل من تعرض لنكران الجميل: لا تحزن إذا خسرت شخصًا كشف الزمن حقيقته، بل احمد الله أنه أظهره لك قبل أن تمنحه ما هو أكبر. فالأيام لا تخطئ في فرز الناس، والزمن لا يجامل أحدًا، والمواقف هي المرآة التي تنعكس عليها الأخلاق.

ويبقى الإنسان الأصيل وفيًا مهما تغيرت الظروف، بينما يظل ناكر الجميل أسيرًا لطبعه، يبدل الوجوه ويغيّر الكلمات، لكنه لا يستطيع أن يغيّر معدنه. فالأصل الكريم يبقى كريمًا، والأصل الوضيع يظل يفضحه لسانه وتصرفاته ومواقفه، ولو ارتدى ألف قناع. وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى في ذاكرة الناس إلا أصحاب المروءة والوفاء، أما ناكرو الجميل فسرعان ما يسقطون من أعين الجميع، لأن الاحترام لا يُمنح لمن خان المعروف، ولا التاريخ يرحم من باع العِشرة بثمن بخس.

موضوعات متعلقة