بوابة الدولة
الثلاثاء 11 أغسطس 2026 04:13 صـ 26 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : أخلاق الخصومة تكشف معادن الرجال

المستشار محمد سليم
المستشار محمد سليم

ليست الرجولة ان تكون قويا في خصومتك او ان تمتلك القدرة على الانتصار على خصمك باي وسيلة ممكنة، وليست الشهامة ان تقف دائما الى جانب من تحب وتغض الطرف عن عيوبه واخطاءه، وانما الرجولة الحقيقية تظهر عندما تختلف مع انسان ثم تظل قادرا على انصافه والاعتراف بما فيه من خير، وتقول كلمة الحق في حقه حتى لو كانت هذه الكلمة في صالح شخص بينك وبينه خصومة.

وهذه القصة البسيطة تحمل في تفاصيلها درسا انسانيا عظيما، لان الانسان لا يظهر معدنه الحقيقي عندما تكون الدنيا هادئة من حوله ولا عندما تكون علاقاته قائمة على المودة والمصلحة، وانما يظهر جوهره الحقيقي عندما يدخل في خلاف مع شخص اخر وتصبح امامه فرصة للانتقام او التشويه، فاما ان ينتصر لاخلاقه ومبادئه واما ان تسمح له الخصومة بان يفقد ما كان يميزه من اخلاق ومروءة.

تقدم شاب لخطبة فتاة وذهب الى منزل اسرتها للقاء والدها الذي اراد ان يعرف عنه كل شيء قبل اتخاذ قرار الموافقة، فقال له انه سيقوم بالسؤال عنه في الشارع الذي يسكن فيه وعن جيرانه ومعارفه وكل من يعرفه حتى يتأكد من اخلاقه وسيرته وحسن معاملته للناس، ولم يعترض الشاب على ذلك ولكنه طلب من والد الفتاة الا يسال رجلا بعينه يسكن بجواره بسبب وجود خلاف كبير بينهما وصل الى ساحات المحاكم.

قال الشاب لوالد الفتاة ان هذا الرجل قد يستغل الخلاف الموجود بينهما لتشويه صورته والحديث عنه بصورة سلبية امامه، ولذلك طلب منه ان يسال اي شخص اخر عنه والا يجعل هذا الرجل تحديدا مصدرا للمعلومات عنه، ثم غادر الشاب منزل الفتاة وهو يعتقد ان هذا الامر قد انتهى عند هذا الحد، لكنه لم يكن يعلم ان الرجل الذي يخشاه سيكون هو السبب في اتخاذ والد الفتاة قرار الموافقة عليه.

فما ان خرج الخاطب حتى اتصل والد الفتاة بجاره وساله عما اذا كان يعرف فلانا، فجاءه الرد سريعا بان بينهما خلافا كبيرا وان هناك قضية منظورة امام المحكمة ولا داعي لمحاولة الصلح بينهما، لكن والد الفتاة اوضح له ان اتصاله ليس من اجل الصلح وانما لان هذا الشاب تقدم لخطبة ابنته وهو يريد ان يعرف حقيقة اخلاقه وشخصيته وسيرته بين الناس.

ساد الصمت للحظات وكان الرجل امام اختبار حقيقي، فاما ان يستغل الخلاف القائم بينه وبين الشاب ويقدم صورة سيئة عنه ويترك الغضب يتحدث نيابة عنه، واما ان يتجرد من الخصومة ويقول كلمة الحق حتى لو كانت في صالح رجل يختلف معه ويقف معه امام القضاء، وبعد لحظات قال ان بينهما خلافا كبيرا بالفعل وان هناك قضية في المحكمة ولكنه اكد ان هذا شيء وان اخلاق الرجل ورجولته شيء اخر تماما.

وقال الرجل لوالد الفتاة ان الشاب من ناحية الرجولة انسان محترم وشهم وكفء وانه لو كان هو صاحب ابنة لتقدم هذا الشاب لخطبتها لما تردد في تزويجه اياها، لان الخلاف الذي بينهما لا يمكن ان يمحو الصفات الطيبة التي يعرفها عنه ولا يمكن ان يجعله يقول غير الحقيقة لمجرد انه خصمه في قضية امام المحكمة.

تعجب والد الفتاة كثيرا من هذه الشهادة وقال له كيف يمكن ان تشهد لرجل بهذه الصورة وانت خصمه وتوجد بينكما قضية في المحكمة، فجاء الرد الذي اختصر معنى الرجولة والمروءة في كلمات قليلة عندما قال له ان الرجل تظهر رجولته وشهامته حتى وقت الخلاف، وان وجود مشكلة بينهما لا يعطيه الحق في ظلمه او تشويه صورته، ولذلك يستطيع ان يختلف معه في قضية لكنه في الوقت نفسه يشهد له بالاحترام والرجولة والكفاءة.

كانت هذه الشهادة الصادقة سببا بعد توفيق الله في ان يطمئن والد الفتاة الى الشاب ويوافق على زواجه من ابنته، ولم يكن الشاب يعلم في ذلك الوقت ان خصمه الذي كان يخشى ان يسأل عنه سيكون هو الرجل الذي قال فيه كلمة حق جعلت والد الفتاة يرفع رأسه ويقبل به زوجا لابنته.

وبعد ان عرف الشاب بما حدث وبما قاله خصمه عنه شعر بتأثر شديد، لان الانسان قد يتوقع من خصمه ان يبحث عن عيوبه وان يستغل الخلاف لتشويه صورته امام الآخرين، لكنه اكتشف ان امامه رجلا استطاع ان ينتصر على غضبه وان يجعل الحق اقوى من الخصومة، ولذلك لم يجد امامه سوى ان يذهب الى منزل خصمه بنفسه ليشكره على موقفه.

طرق الشاب باب الرجل وعندما فتح له قال له ان مشكلتهما اصبحت امامه وان له ان يحكم فيها بما يشاء وان القضية التي بينهما يمكن ان تستمر امام المحكمة حتى يصل كل منهما الى حقه، لكنه اخبره في الوقت نفسه ان شهادته الصادقة في حقه اكبر عنده من كل خلاف بينهما وان ما فعله معه اثبت له ان الخلاف مهما كان كبيرا لا يمكن ان يلغي قيمة الانسان ولا ان يمحو المعروف.

لم يتمالك الرجل نفسه امام هذه الكلمات فبكى وقال للشاب بل انت من انهيت المشكلة وانا راض عنك، وهكذا انتهت خصومة وصلت الى المحاكم في لحظة صدق وموقف اخلاقي نادر، فلم يحتج الرجلان الى كثير من الكلام ولا الى وسطاء ولا الى تنازلات مهينة، وانما احتاجا فقط الى ان يتذكر كل منهما ان وراء الخصومة انسانا يستحق الاحترام.

وهنا تكمن الرسالة الحقيقية في هذه القصة، فالحياة مليئة بالخلافات والمشاكل والمواقف التي قد تفسد العلاقات بين الناس وقد تصل في بعض الاحيان الى ساحات القضاء، لكن الخلاف مهما كان كبيرا لا يجب ان يتحول الى ظلم ولا ينبغي ان يصبح مبررا للكذب او التشهير او الانتقام، لان الانسان حين يخاصم غيره لا يفقد حقه في الاخلاق ولا تسقط عنه مسؤولية العدل.

ليس من المروءة ان تحول خصومتك مع شخص الى محاولة لاسقاطه امام الناس او ان تنكر كل صفاته الحسنة لمجرد ان بينكما خلافا، فالانسان قد تختلف معه في موقف او رأي او مصلحة او قضية ولكنه يظل انسانا له ما له من صفات طيبة وما عليه من اخطاء، والعدل الحقيقي هو ان تعرف كيف تفرق بين الخلاف وبين تقييم الانسان وان تعطي كل امر حقه دون مبالغة او ظلم.

والشهامة الحقيقية ليست ان تقول كلمة طيبة في انسان تحبه عندما يكون الجميع الى جانبه، وانما ان تقول كلمة الحق في انسان تختلف معه عندما تكون لديك الفرصة لتشويه صورته، لان الانسان في هذه اللحظة لا يدافع عن خصمه فقط وانما يدافع عن قيمة العدل في المجتمع ويحافظ على نفسه من ان تتحول الخصومة الى سبب لفقدان اخلاقه ومبادئه.

ان اخطر ما يمكن ان يحدث للانسان ان يجعل خصومته ميزانا يحكم به على الناس، فيرى خصمه سيئا في كل شيء ولا يعترف له بفضيلة واحدة، بينما يرى نفسه دائما على صواب مهما اخطأ، اما اصحاب النفوس الكبيرة فيعرفون ان الاختلاف لا يلغي الاحترام وان الخصومة لا تعني الكراهية وان الانسان يستطيع ان يختلف مع شخص بشدة ثم يعترف في الوقت نفسه بفضله واخلاقه ومواقفه الطيبة.

وقد علمتنا هذه القصة ان الانتصار الحقيقي ليس دائما في ان تهزم خصمك امام المحكمة او في ان تثبت انك على حق، فهناك انتصار اعظم من ذلك بكثير وهو ان تنتصر على غضبك وان تحافظ على اخلاقك وان ترفض ان تستخدم اسرار خصمك او خلافاتك معه للاساءة اليه، لان من يستطيع ان يفعل ذلك يكون قد خرج من الخصومة منتصرا حتى لو لم يحصل على كل ما يريد.

لقد كشف الرجل الاول معدنه عندما رفض ان يظلم خصمه رغم وجود خلاف وقضية بينهما، وكشف الرجل الثاني معدنه عندما لم يسمح للكرامة الزائفة او الغضب ان يمنعاه من الاعتراف بفضل من اختلف معه، فتحولت الخصومة من باب للعداوة الى باب للمصالحة، وتحولت القضية من نزاع بين رجلين الى درس كبير في معنى الرجولة والشهامة والعدل والتسامح.

وقد تنتهي بعض القضايا بحكم يصدره قاض في المحكمة ويحدد فيه صاحب الحق من الطرف الاخر، لكن اجمل القضايا هي التي تنتهي بحكم يصدره الضمير عندما يدرك الانسان ان التسامح احيانا اعظم من الانتصار وان الاعتراف بالحق اكثر قيمة من التشبث بالخصومة، وان الكرامة الحقيقية ليست في اطالة النزاع وانما في القدرة على انهائه عندما تتوفر لحظة صادقة تستحق ان تكون بداية جديدة.

فالانسان قد ينسى من انتصر عليه في خصومة او من كسب قضية ضده لكنه لا ينسى من انصفه وهو خصمه ولا ينسى الرجل الذي قال فيه كلمة حق عندما كان يستطيع ان يقول غير ذلك، ولهذا تبقى المواقف الصادقة في ذاكرة الانسان اطول من الخلافات وتبقى الشهامة الحقيقية شاهدة على صاحبها حتى بعد ان تنتهي كل القضايا وتغلق ابواب المحاكم.

وفي النهاية تبقى الرسالة الاهم التي يجب ان نتعلمها من هذه القصة وهي ان الخلاف لا ينبغي ان يسقط الاخلاق وان الخصومة لا يجب ان تلغي العدل وان الغضب لا ينبغي ان يمنع الانسان من رؤية الخير في غيره، فمن استطاع ان يكون عادلا مع خصمه فقد حفظ لنفسه كرامتها ومن استطاع ان يسامح من انصفه فقد اغلق بابا من ابواب الخلاف وفتح بابا اكبر للسلام والمودة.

هذه هي الرجولة الحقيقية التي لا تحتاج الى شعارات ولا الى كلمات كبيرة. وهذه هي الشهامة التي تظهر وقت الشدة وتبقى حاضرة حتى في اصعب لحظات الخلاف. فالخصومة اختبار للاخلاق والاختلاف اختبار للرجولة والتسامح اختبار للقلوب الكبيرة ومن ينجح في هذه الاختبارات يخرج منها محتفظا باحترام الناس وبراحة ضميره وبشيء اعظم من كل انتصار وهو انه لم يسمح للخلاف ان يغير معدنه.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

موضوعات متعلقة