لماذا نخسر من نحب عندما نفرط في العطاء؟
في مسرح العلاقات الانسانية المعقد، نقع غالبا في فخ مثالي يصور لنا ان النقاء المطلق والمنح اللامحدود هما صكا ضمان للبقاء والاستمرار، هكذا نتوهم، بسذاجة العاشقين وحسن ظن الارواح الصادقة، ان سكب الروح بالكامل في قوالب الاخرين سيجعلهم اكثر تمسكا بنا، وان كثرة العطاء والتضحيات والاهتمام ستدفع الطرف الاخر الى رد الجميل بالحب والوفاء. لكن الحقيقة المريرة التي تكشفها تجارب الحياة تقول شيئا مختلفا تماما، احيانا يكون اسرع طريق لخسارة انسان هو ان تمنحه كل شيء دفعة واحدة، دون حدود او احتراس او حساب لقيمة نفسك.
حين تهتم باحدهم حد التلاشي، وتكون صادقا معه بشفافية تتجاوز كل المسافات، وتلغي كل الحدود الفاصلة بينك وبينه، فانك دون ان تدري قد تكسر ذلك الحاجز الذي يبقي الشغف متقدا ويجعل لكل علاقة مساحة من الخصوصية والاحترام. فالنفس البشرية، في جوهرها، تميل الى السعي والبحث وتقدير ما يصعب نيله، وما يتطلب جهدا للحفاظ عليه، وعندما تصب حبك من كل نبضة في قلبك، وتخاف على الاخر اكثر من خوفه الطبيعي على نفسه، فقد تحوله تدريجيا من شريك متساو الى كيان اتكالي، بينما تتحول انت من حبيب او صديق الى حارس يخنق انفاسه باسم الرعاية والخوف.
هذا الافراط العاطفي المستمر لا يولد الامتنان دائما كما نتوقع، بل قد يولد شعورا خفيا بالثقل، ثم التمرد، ثم الرغبة في الهروب من علاقة اصبحت في نظر الطرف الاخر اكبر من قدرته على احتمالها ،فالحب حين يفقد توازنه قد يتحول من مساحة للراحة الى مساحة للضغط، ومن مصدر للامان الى عبء نفسي لا يعرف صاحبه كيف يتخلص منه.
اما الخطيئة الكبرى في معادلة الفقد، فهي ان تعطي انسانا حجما يفوق مقاسه الحقيقي في ميزان حياتك، وان تضع شخصا عاديا على منصة التقديس، وتمنحه اهمية تفوق استحقاقه، وتتغاضى عن اخطائه، وتبرر اساءاته، وتمنحه من التضحيات ما يجعله يصدق انه مركز الكون بالنسبة اليك. عندها، وبشكل غريزي، قد ينظر اليك من اعلى، لان من وضعته في السماء قد ينسى انك كنت يوما تقف بجانبه على الارض.
والانسان، في كثير من الاحيان، يميل الى الاستهانة بمن يسترخص نفسه ، من اجله، ويقلل من قيمة ذاته ليضخم من شانه. فاذا كنت دائما متاحا، ودائما متسامحا، ودائما مستعدا للتنازل، ودائما الطرف الذي يبدا بالصلح ويقدم الاعذار، فقد تجعل الاخر يعتاد وجودك الى الحد الذي يجعله يتعامل معه كانه امر مفروغ منه، لا كنعمة تستحق التقدير.
حين تعطي الانسان اكبر من حجمه، لا ترفعه فقط.. بل قد تعلمه ان يراك اصغر من قدرك،وتضخيم قيمة الطرف الاخر ببالون التضحيات المجانية قد يجعله يطير بعيدا عنك، لا لانه وجد الافضل بالضرورة، ولكن لانك جعلته يعتقد انه يستحق اكثر مما قدمت له، واكثر مما يستطيع هو نفسه ان يقدم لك. وهنا تبدا المشكلة الحقيقية: عندما تصبح العلاقة قائمة على طرف يعطي بلا حدود، وطرف ياخذ حتى ينسى ان العطاء كان اختيارا وليس واجبا.
ثم تاتي الصفعة التي تعيد ترتيب الفوضى الداخلية، وياتي الخذلان الذي يبدو في البداية قاسيا ومدمرا، لكنه في الحقيقة قد يكون درسا لا يمكن للحياة ان تمنحك اياه بطريقة اكثر وضوحا، ستكتشف بعد فوات الاوان ان بعض الناس لا يخسرونك لانك قصرت معهم، بل لانك بالغت في تقديرهم، ومنحتهم من نفسك اكثر مما ينبغي، وسمحت لهم باحتلال مساحة في قلبك لم يكونوا مؤهلين لها.
الخذلان هنا لا يكون مجرد صدفة عابرة، بل نتيجة طبيعية لاختلال ميزان العلاقة، عندما يتحول الحب الى تنازل دائم، ويصبح الوفاء ضعفا في نظر من لا يعرف قيمة الوفاء، وتتحول الطيبة الى باب مفتوح لكل من يريد الدخول دون استئذان والخروج دون حساب.
ومع مرور الوقت، ستتعلم ان الاعتدال هو سيد البقاء، وان الحب ليس تفريغا كاملا للذات والغاء لها، وانما مساحة مشتركة يتنفس فيها الطرفان من خلال التكافؤ والاحترام المتبادل. ستتعلم ان تحب بقلبك، نعم، لكن دون ان تهدم نفسك من اجل من تحب. وان تعطي، لكن دون ان تحول العطاء الى استنزاف. وان تسامح، لكن دون ان تجعل التسامح تصريحا مفتوحا للاهانة.
ستتعلم ايضا ان تحتفظ بجزء من روحك لنفسك، وان تعرف حدودك، وان تدرك ان احترام الذات ليس غرورا، وان وضع الحدود ليس قسوة، وان قول لا في الوقت المناسب قد يحمي علاقة اكثر مما تحميها عشرات التنازلات.
فالعطاء الذي لا يرافقه احترام عميق للذات قد يتحول الى انتحار عاطفي بطيء، تبدأ اولى خطواته عندما تضع الاخر فوق مكانته، وتنتهي غالبا وانت وحيد تتساءل: كيف استطاع شخص قدمت له كل شيء ان يرحل بهذه السهولة؟
والحقيقة ان الاجابة قد تكون مؤلمة لكنها واضحة: لانك لم تخسره عندما رحل، بل بدأت خسارته يوم منحته مكانة اكبر من حجمه، ويوم تنازلت عن قدرك لتثبت له قدره.
لذلك، لا تجعل محبتك لاحد سببا في خسارتك لنفسك، ولا تجعل طيبتك بابا لاستنزافك، ولا تجعل خوفك من فقدان شخص يدفعك الى فقدان كرامتك اولا.
فليس كل من تعطيه قلبك سيحافظ عليه، وليس كل من ترفعه سيقدر انك رفعته، واحيانا تكون البداية الحقيقية لخسارة الانسان هي ان تعطيه حجما اكبر من حجمه، وان تمنحه من وقتك واهتمامك وتضحياتك ما يجعله ينسى قيمتك الحقيقية، ثم تكتشف متاخرا انك لم تكن تخسره بسبب تقصيرك معه، بل بسبب افراطك في منحه مكانة لم يكن يستحقها، بينما كنت في المقابل تتنازل عن مكانتك دون ان تشعر.
هل تتفقون معي في ان اعطاء الانسان اكبر من حجمه قد يكون البداية الحقيقية لخسارته، وان المبالغة في الحب والعطاء والتقدير لا تضمن بقاءه، بل قد تجعله يعتاد على وجودك حتى يفقد احساسه بقيمتك، فتكون النتيجة ان تخسره وتخسر معه جزءا من نفسك؟

















.jpeg)





